تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي حَدِيثِ الْخُمْرَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَتَّخِذُ السَّجَّادَةَ ، كَمَا قَدْ احْتَجَّ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ . قِيلَ : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ دَائِماً ، بَلْ أَحْيَاناً ، كَأَنَّهُ كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ رَأَى أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ يَتَّخِذُ السَّجَّادَةَ يُصَلِّي عَلَيْهَا دَائِماً . وَالثَّانِي : قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ ، لَمْ تَكُنْ بِمَنْزِلَةِ السَّجَّادَةِ الَّتِي تَسَعُ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، كَأَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ ، هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْغَرِيبِ . قَالُوا : " الْخُمْرَةُ " كَالْحَصِيرِ الصَّغِيرِ ، تُعْمَلُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ ، وَتُنْسَجُ بِالسُّيُورِ وَالْخُيُوطِ ، وَهِيَ قَدْرُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْأَنْفُ ، فَإِذَا كَبِرَتْ عَنْ ذَلِكَ فَهِيَ حَصِيرٌ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسِتْرِهَا الْوَجْهَ وَالْكَعْبَيْنِ مِنْ حَرِّ الْأَرْضِ وَبَرْدِهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّي ، أَيْ تَسْتُرُهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّ خُيُوطَهَا مَسْتُورَةٌ بِسَعَفِهَا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِداً عَلَيْهَا فَاحْتَرَقَتْ مِنْهَا مِثْلُ مَوْضِعِ دِرْهَمٍ } قَالَ : وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى الْكَبِيرِ مِنْ نَوْعِهَا ، لَكِنْ هَذَا الْحَدِيثُ لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهُ ، وَالْقُعُودُ عَلَيْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا طَوِيلَةٌ بِقَدْرِ مَا يُصَلِّي عَلَيْهَا ، فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْخُمْرَةَ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ اتِّقَاءِ النَّجَاسَةِ ، أَوْ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا كَمَا يُعَلِّلُ بِذَلِكَ مَنْ يُصَلِّي عَلَى السَّجَّادَةِ ، وَيَقُولُ : إنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ نَجَاسَةِ حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَفُرُشِهِ ، لِكَثْرَةِ دَوْسِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي نَعْلَيْهِ ، وَهُمْ فِي نِعَالِهِمْ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ لِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ إذَا كَانَ بِهَا أَذًى أَنْ تُدَلَّكَ بِالتُّرَابِ ، وَيُصَلَّى بِهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّعَالَ تُصِيبُ الْأَرْضَ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُصَلَّى فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ الدَّلْكِ ، وَإِنْ أَصَابَهَا أَذًى .
الفتاوى الكبرى — صفحة 69 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا