ِالإسْتِحَالَةِ .
فَإِنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ تَطْهُرُ بِذَلِكَ ، مَعَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ : إنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ النَّجَاسَةَ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ ، كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَغَيْرِهِمْ ، فَالْأَمْرُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الرَّوْثَ النَّجِسَ إذَا صَارَ رَمَاداً وَنَحْوَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَمَا يَقَعُ فِي الْمَلَّاحَةِ مِنْ دَمٍ وَمَيْتَةٍ وَنَحْوِهِمَا إذَا صَارَ مِلْحاً ، فَهُوَ طَاهِرٌ .
وَقَدْ اتَّفَقُوا جَمِيعُهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ إذَا اسْتَحَالَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَصَارَتْ خَلّاً طَهُرَتْ .
وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَسَائِرُ الْأَعْيَانِ إذَا انْقَلَبَتْ يَقِيسُونَهَا عَلَى الْخَمْرِ الْمُنْقَلِبَةِ .
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا يَعْتَذِرُ بِأَنَّ الْخَمْرَ نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَطَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ كَانَ طَاهِراً فَلَمَّا اسْتَحَالَ خَمْراً نَجُسَ ، فَإِذَا اسْتَحَالَ خَلّاً طَهُرَ .
وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ إنَّمَا نَجُسَتْ أَيْضاً بِالِاسْتِحَالَةِ ؛ فَإِنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ يَتَنَاوَلُهُ الْحَيَوَانُ طَاهِراً فِي حَالِ الْحَيَاةِ ثُمَّ يَمُوتُ فَيَنْجُسُ ، وَكَذَلِكَ الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ وَالسِّبَاعُ أَيْضاً عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهَا إنَّمَا خُلِقَتْ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ الطَّاهِرَيْنِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ هَذَا الْخَلَّ وَالْمِلْحَ وَنَحْوَهُمَا أَعْيَانٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ ، دَاخِلَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } فَلِلْمُحَرَّمِ الْمُنَجِّسِ لَهَا أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ حَرَّمَهَا لِكَوْنِهَا دَاخِلَةً فِي الْمَنْصُوصِ ، أَوْ لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَى الدَّاخِلَةِ فِيهِ ، فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُنْتَفٍ ؛ فَإِنَّ النَّصَّ لَا يَتَنَاوَلُهَا ، وَمَعْنَى النَّصِّ الَّذِي هُوَ الْخُبْثُ مُنْتَفٍ فِيهَا ، وَلَكِنْ كَانَ أَصْلُهَا نَجَساً ، وَهَذَا لَا يَضُرُّ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنْ الْخَبِيثِ ، وَيُخْرِجُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْوَى فِي الْحُجَّةِ نَصّاً وَقِيَاساً .
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ يَنْبَنِي طَهَارَةُ الْمَقَابِرِ .
فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ الْمَقْبَرَةِ الْعَتِيقَةِ .
يَقُولُونَ : إنَّهُ خَالَطَ التُّرَابَ صَدِيدُ الْمَوْتَى وَنَحْوُهُ ، وَاسْتَحَالَ عَنْ ذَلِكَ ، فَيُنَجِّسُونَهُ .
وَأَمَّا
الفتاوى الكبرى — صفحة 72
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٢