فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ الْجَنَّةِ ، أَفَيَكُونُ قَوْلُ أَحَدٍ فَوْقَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٍ ، وَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُمَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلَوْ طَلَبَ هَذَا الْعَبْدُ مَا طَلَبَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ .
وَأَهْلُ الْجَنَّةِ نَوْعَانِ : سَابِقُونَ مُقَرَّبُونَ ، وَأَبْرَارٌ أَصْحَابُ يَمِينٍ ، قَالَ تَعَالَى : { { كَلّاً إنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاك مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " تُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجاً ، وَيَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صَرْفاً " .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا
دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدُ .
فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَسِيلَةَ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِعَبْدٍ وَاحِدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدُ ، هِيَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ الْوَسِيلَةِ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْهَا يَكُونُ خَارِجاً عَنْ الْجَنَّةِ يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِينَ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضاً فِي حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ النَّاسَ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ قَالَ : { فَيَقُولُونَ لِلرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَجَدْنَاهُمْ يُسَبِّحُونَك وَيَحْمَدُونَك وَيُكَبِّرُونَك .
قَالَ : فَيَقُولُ : وَمَا يَطْلُبُونَ ؟ قَالُوا : يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ .
قَالَ : فَيَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ .
قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا .
قَالَ : فَيَقُولُ : فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ .
قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ لَهَا طَلَباً .
قَالَ : وَمِمَّا يَسْتَعِيذُونَ .
قَالُوا : يَسْتَعِيذُونَ مِنْ النَّارِ .
قَالَ : فَيَقُولُ : وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ .
قَالَ : فَيَقُولُونَ : لَا .
قَالَ : فَيَقُولُ : فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ .
قَالُوا : لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا اسْتِعَاذَةً .
قَالَ : فَيَقُولُ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَعْطَيْتُهُمْ مَا يَطْلُبُونَ ، وَأَعَذْتُهُمْ مِمَّا يَسْتَعِيذُونَ أَوْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 407
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠٧