مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى فِيهَا قِرَاءَةً بِحَالٍ ، كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْقِرَاءَةَ فِيهَا سُنَّةً ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَغَيْرِهِ .
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : الْقِرَاءَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ كَالصَّلَاةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ هِيَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ، لَيْسَتْ وَاجِبَةً .
وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ فَعَلُوا هَذَا وَهَذَا ، وَكَانَ كِلَا الْفِعْلَيْنِ مَشْهُوراً بَيْنَهُمْ ، كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِقِرَاءَةٍ وَغَيْرِ قِرَاءَةٍ ، كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ تَارَةً بِالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَتَارَةً بِغَيْرِ جَهْرٍ بِهَا ، وَتَارَةً بِاسْتِفْتَاحٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ اسْتِفْتَاحٍ ، وَتَارَةً بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ ، وَتَارَةً بِغَيْرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ ، وَتَارَةً يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ ، وَتَارَةً تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً ، وَتَارَةً يَقْرَؤونَ خَلْفَ الْإِمَامِ بِالسِّرِّ ، وَتَارَةً لَا يَقْرَؤونَ ، وَتَارَةً يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعاً ، وَتَارَةً خَمْساً ، وَتَارَةً سَبْعاً كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا ، وَفِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا .
كُلُّ هَذَا ثَابِتٌ عَنْ الصَّحَابَةِ .
كَمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُرَجِّعُ فِي الْأَذَانِ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُرَجِّعْ فِيهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُوتِرُ الْإِقَامَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَشْفَعُهَا ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهَا أَرْجَحَ مِنْ الْآخَرِ ، فَمَنْ فَعَلَ الْمَرْجُوحَ فَقَدْ فَعَلَ جَائِزاً .
وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُ الْمَرْجُوحِ أَرْجَحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ ، كَمَا يَكُونُ تَرْكُ الرَّاجِحِ أَرْجَحَ أَحْيَاناً لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ .
وَهَذَا وَاقِعٌ فِي عَامَّةِ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي هُوَ فِي جِنْسِهِ أَفْضَلُ ، قَدْ يَكُونُ فِي مَوَاطِنَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ ، كَمَا أَنَّ جِنْسَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْقِرَاءَةِ ، وَجِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الذِّكْرِ ، وَجِنْسُ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ .
ثُمَّ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَالذِّكْرُ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَالدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ الْمَفْضُولُ أَفْضَلَ بِحَسَبِ حَالِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ ؛ لِكَوْنِهِ عَاجِزاً عَنْ الْأَفْضَلِ ، أَوْ لِكَوْنِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 356
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٦