وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ الْعُذْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلَ مَا إذَا كَانَ زَحْمَةٌ فَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ أَوْ الْجِنَازَةَ إلَّا قُدَّامَ الْإِمَامِ ، فَتَكُونُ صَلَاتُهُ قُدَّامَ الْإِمَامِ خَيْراً لَهُ مِنْ تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ .
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِ .
وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَرْجَحُهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ التَّقَدُّمِ عَلَى الْإِمَامِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَاجِباً مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَالْوَاجِبَاتُ كُلُّهَا تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ .
وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ ، فَالْوَاجِبُ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ ؛ وَلِهَذَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُصَلِّي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ الْقِيَامِ ، وَالْقِرَاءَةِ ، وَاللِّبَاسِ ، وَالطَّهَارَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فِي الْأَوْتَارِ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مُنْفَرِداً عَمْداً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ سَاجِداً أَوْ قَاعِداً كَبَّرَ وَسَجَدَ مَعَهُ ، وَقَعَدَ مَعَهُ ؛ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ .
مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ لَهُ بِذَلِكَ ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَمْ يَسْهُ .
وَأَيْضاً فَفِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيَعْمَلُ الْعُمْرَ الْكَثِيرَ وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَيَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .
وَأَبْلَغُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ : أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إذَا صَلَّى جَالِساً صَلَّى الْمَأْمُومُونَ جُلُوساً ؛ لِأَجْلِ مُتَابَعَتِهِ ، فَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ الْوَاجِبَ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ ، كَمَا اسْتَفَاضَتْ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ } .
وَالنَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : قِيلَ : لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ الْقَائِمَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
وَقِيلَ : بَلْ يَؤُمُّهُمْ ، وَيَقُومُونَ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقُعُودِ مَنْسُوخٌ .
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَقِيلَ : بَلْ ذَلِكَ مُحْكَمٌ ، وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 332
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٢