الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَتَيَقَّنَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ عِنْدَهُ : مِثْلَ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ ، أَوْ النِّسَاءَ لِشَهْوَةٍ ، أَوْ يَحْتَجِمَ ، أَوْ يَفْتَصِدَ ، أَوْ يَتَقَيَّأَ .
ثُمَّ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ : فَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ .
كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ؛ بَلْ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا .
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ؛ لَمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ } .
فَقَدْ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ خَطَأَ الْإِمَامِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَأْمُومِ ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ سَائِغٌ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَوْ مُقَلِّدُ مُجْتَهِدٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ خَطَأَهُ ، فَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إذَا لَمْ يُعِدْهَا ، بَلْ لَوْ حَكَمَ بِمِثْلِ هَذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ ، بَلْ كَانَ يُنْفِذُهُ .
وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَعَلَ بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا ، وَالْمَأْمُومُ قَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ كَانَتْ صَلَاةُ كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحَةً ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَدَّى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَصَلَتْ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ .
وَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، خَطَأٌ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ فِيهِ ، وَأَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ .
وَلَوْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ خَطَأً ، وَاعْتَقَدَ الْمَأْمُومُ جَوَازَ مُتَابَعَتِهِ فَسَلَّمَ ، كَمَا سَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ سَهْواً ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
كَمَا لَوْ صَلَّى خَمْساً سَهْواً فَصَلُّوا خَلْفَهُ خَمْساً ، كَمَا صَلَّى الصَّحَابَةُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ خَمْساً ، فَتَابَعُوهُ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ صَلَّى خَمْساً ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ جَوَازَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فِي هَذِهِ الْحَالِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 319
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٩