تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
كَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالنَّحْنَحَةِ . فَإِنْ قُلْنَا : تَبْطُلُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ فَوَجْهَانِ . فَصَارَتْ الْأَقْوَالُ فِيهَا ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا : أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِحَالٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ؛ بَلْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ . وَالثَّانِي : تَبْطُلُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ . وَالثَّالِثُ : إنْ فَعَلَهُ لِعُذْرٍ لَمْ تَبْطُلْ وَإِلَّا بَطَلَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالُوا : إنْ فَعَلَهُ لِتَحْسِينِ الصَّوْتِ وَإِصْلَاحِهِ ، لَمْ تَبْطُلْ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ كَثِيراً ، فَرُخِّصَ فِيهِ لِلْحَاجَةِ . وَمَنْ أَبْطَلَهَا قَالَ : إنَّهُ يَتَضَمَّنُ حَرْفَيْنِ ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْقَهْقَهَةَ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا حَرَّمَ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : { إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ ، الَّتِي تَتَنَاوَلُ الْكَلَامَ . وَالنَّحْنَحَةِ لَا تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْكَلَامِ أَصْلاً ، فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ بِنَفْسِهَا ، وَلَا مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعْنًى ، وَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهَا مُتَكَلِّماً وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مُرَادُهُ بِقَرِينَةٍ ، فَصَارَتْ كَالْإِشَارَةِ . وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ وَنَحْوُهَا فَفِيهَا جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَدُلَّ عَلَى مَعْنًى بِالطَّبْعِ . وَالثَّانِي : أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ أَبْطَلَتْ لِأَجْلِ كَوْنِهَا كَلَاماً . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَهْقَهَةَ تُبْطِلُ بِالْإِجْمَاعِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ فِيهَا نِزَاعٌ ، بَلْ قَدْ يُقَالُ : إنَّ الْقَهْقَهَةَ فِيهَا أَصْوَاتٌ عَالِيَةٌ تُنَافِي حَالَ الصَّلَاةِ ، وَتُنَافِي الْخُشُوعَ الْوَاجِبَ فِي الصَّلَاةِ ، فَهِيَ كَالصَّوْتِ الْعَالِي الْمُمْتَدِّ ، الَّذِي لَا حَرْفَ مَعَهُ . وَأَيْضاً فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّلَاعُبِ بِهَا مَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَهَا ، فَأُبْطِلَتْ لِذَلِكَ لَا لِكَوْنِهِ مُتَكَلِّماً . وَبُطْلَانُهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَوْنِهِ كَلَاماً ، وَلَيْسَ مُجَرَّدُ الصَّوْتِ كَلَاماً ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ لِي مِنْ