تَارَةً " عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ " وَتَارَةً " عَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ " كَانَ حَسَناً .
كَمَا أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ إذَا تَشَهَّدَ تَارَةً بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَتَارَةً بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَتَارَةً بِتَشَهُّدِ عُمَرَ كَانَ حَسَناً ، وَفِي الِاسْتِفْتَاحِ إذَا اسْتَفْتَحَ تَارَةً بِاسْتِفْتَاحِ عُمَرَ ، وَتَارَةً بِاسْتِفْتَاحِ عَلِيٍّ ، وَتَارَةً بِاسْتِفْتَاحِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ حَسَناً .
وَقَدْ احْتَجَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى جَوَازِ الْأَنْوَاعِ الْمَأْثُورَةِ فِي التَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِهَا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ ، فَاقْرَؤُوا بِمَا تَيَسَّرَ } قَالُوا : فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ رُخِّصَ فِي قِرَاءَتِهِ سَبْعَةُ أَحْرُفٍ ، فَغَيْرُهُ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ أَوْلَى أَنْ يُرَخَّصَ فِي أَنْ يُقَالَ عَلَى عِدَّةِ أَحْرُفٍ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقْرَأَ أَحَدَهَا ، أَوْ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً ، لَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي آنٍ وَاحِدٍ ؛ بَلْ قَالَ هَذَا تَارَةً ، وَهَذَا تَارَةً ، إذَا كَانَ قَدْ قَالَهُمَا .
وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي لَفْظٍ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّهُ قَالَهُمَا ، أَوْ يُمْكِنُ أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِمَا ، وَيُمْكِنُ أَنَّ أَحَدَ الرَّاوِيَيْنِ حَفِظَ اللَّفْظَ دُونَ الْآخَرِ وَهَذَا يَجِيءُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ " كَبِيراً " " كَثِيراً " .
وَأَمَّا مِثْلُ قَوْلِهِ : " وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ " وَقَوْلِهِ فِي الْأُخْرَى " وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ " فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا تَارَةً ، وَهَذَا تَارَةً ؛ وَلِهَذَا احْتَجَّ مَنْ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى تَفْسِيرِ الْآلِ [ أَيْ آلِ مُحَمَّدٍ ] ، وَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ : أَحَدُهُمَا : إنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَعَلَى هَذَا فَفِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَزْوَاجِهِ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : إحْدَاهُمَا : لَسْنَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ .
وَالثَّانِيَةُ : هُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ : " وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَقَوْلُهُ : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ : { رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } وَقَدْ دَخَلَتْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 194
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٤