تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فَهَلْ الْأَفْضَلُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْتَدِيَ وَيَأْتَزِرَ وَلَوْ مَعَ الْقَمِيصِ ؟ أَوْ الْأَفْضَلُ إنْ يَلْبَسَ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ ، هَذَا أَيْضاً مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ . وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ مَخْصُوصاً بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ ، بَلْ وَبِكَثِيرٍ مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَهَذَا سَمَّتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ : " تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ " وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ قَدْ ثَبَتَ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَلَيْسَ مَخْصُوصاً بِهَا ، بَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ " مَنَاطَ الْحُكْمِ " . مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ : أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ } . فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصّاً بِتِلْكَ الْفَأْرَةِ ، وَذَلِكَ السَّمْنِ ؛ بَلْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا . فَبَقِيَ الْمَنَاطُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْحُكْمُ مَا هُوَ ؟ فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِفَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، فَيُنَجِّسُونَ مَا كَانَ كَذَلِكَ مُطْلَقاً ، وَلَا يُنَجِّسُونَ السَّمْنَ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْكَلْبُ ، وَالْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ ، وَلَا يُنَجِّسُونَ الزَّيْتَ وَنَحْوَهُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ قَطْعاً . وَلَيْسَ هَذَا مَبْنِيّاً عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً . فَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي يَكُونُ النِّزَاعُ فِيهِ هُوَ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ ، وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ اخْتِصَاصُ مَوْرِدِ النَّصِّ بِالْحُكْمِ ، فَإِذَا جَازَ اخْتِصَاصُهُ ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُشْتَرَكاً بَيْنَ مَوْرِدِ النَّصِّ وَغَيْرِهِ احْتَاجَ مُعْتَبِرُ الْقِيَاسِ ، إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : { لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ } فَلَمَّا نَهَى عَنْ التَّفَاضُلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ ، وَلِمَعْنًى مُخْتَصٍّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 158 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا