أَحَدُهُمَا : يُشْتَرَطُ ، كَقَوْلِ : مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا .
وَالثَّانِي : لَا يُشْتَرَطُ .
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، فَإِنَّ الْمُشَرِّطِينَ فِي الطَّوَافِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ ، لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ ، إلَّا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ } .
وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الطَّائِفِينَ طَهَارَةً وَلَا اجْتِنَابَ نَجَاسَةٍ ، بَلْ قَالَ : { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } .
وَالطَّوَافُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَالطَّوَافُ لَا يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهَا ، وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا دَلِيلاً عَلَى ذَلِكَ ، وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ مَا بُيِّنَ فِيهِ أَنَّ الْمُشْتَرِكَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ ، أَوْ دَلِيلُ الْعِلَّةِ .
وَأَيْضاً فَالطَّهَارَةُ إنَّمَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا صَلَاةً ، سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِالْبَيْتِ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُصَلُّونَ إلَى الصَّخْرَةِ كَانَتْ الطَّهَارَةُ أَيْضاً شَرْطاً فِيهَا ، وَلَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَيْتِ ، ؟
وَكَذَلِكَ أَيْضاً : إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَمَا يُصَلِّي الْمُتَطَوِّعُ فِي السَّفَرِ ، وَكَصَلَاةِ الْخَوْفِ رَاكِباً ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَيْتِ .
وَأَيْضاً فَالنَّظَرُ إلَى الْبَيْتِ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ ، وَلَا غَيْرُهَا ، ثُمَّ هُنَاكَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ وَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ شَرْطاً فِيهَا : كَالِاعْتِكَافِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } .
فَلَيْسَ إلْحَاقُ الطَّائِفِ بِالرَّاكِعِ السَّاجِدِ بِأَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْعَاكِفِ ، بَلْ بِالْعَاكِفِ أَشْبَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ فِي الطَّوَافِ وَالْعُكُوفِ ، وَلَيْسَ شَرْطاً فِي الصَّلَاةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 468
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٨