وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَا يَقُولُ عَطَاءٌ وَمَا يُسَهَّلُ فِيهِ ، وَمَا يَقُولُ الْحَسَنُ ، وَأَمْرَ عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَاضَتْ : { افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ، إنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَقَدْ بُلِيَتْ بِهِ نُزِّلَ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا } .
قُلْت : فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ عَلَيْهِ الْحَجُّ .
فَقَالَ : نَعَمْ كَذَلِكَ أَكْثَرُ عِلْمِي وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَماً .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَوَّلاً وَآخِراً هِيَ مَسْأَلَةٌ مُشْتَبِهَةٌ ، فِيهَا نَظَرٌ ، دَعْنِي حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ يَرْجِعُ حَتَّى يَطُوفَ قُلْت : وَالنِّسْيَانُ ؟
قَالَ : وَالنِّسْيَانُ أَهْوَنُ حُكْماً بِكَثِيرٍ .
يُرِيدُ أَهْوَنَ مِمَّنْ يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّداً .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : قَدْ بَيَّنَّا أَمْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فِي أَحْكَامِ الطَّوَافِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، يَعْنِي لِأَحْمَدَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ، أَنَّ الطَّوَافَ إذَا طَافَ الرَّجُلُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ ، إنَّ الطَّوَافَ يُجْزِئُ عَنْهُ إذَا كَانَ نَاسِياً .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَكُونَ طَاهِراً ، فَإِنْ وَطِئَ وَقَدْ طَافَ غَيْرَ طَاهِرٍ نَاسِياً فَعَلَى قَوْلَيْنِ : مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الطَّوَافِ ، فَمَنْ أَجَازَ الطَّوَافَ غَيْرَ طَاهِرٍ قَالَ : تَمَّ حَجُّهُ ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا طَاهِراً رَدَّهُ مِنْ أَيِّ الْمَوَاضِعِ ذَكَرَ حَتَّى يَطُوفَ .
قَالَ : وَبِهَذَا أَقُولُ .
فَأَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ يَقُولُونَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : يُجْزِئُهُ مَعَ الْعُذْرِ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ بَيِّنٌ فِي هَذَا ، وَجَوَابُ أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ يُبَيِّنُ أَنَّ النِّزَاعَ عِنْدَهُ فِي طَوَافِ الْحَائِضِ وَغَيْرِهِ ، وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمَا التَّسْهِيلُ فِي هَذَا .
وَمِمَّا نُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ ، فَإِنَّهَا تُتِمُّ طَوَافَهَا .
وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْ عَطَاءٍ : أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْحَيْضِ لَيْسَتْ شَرْطاً ، وَقَوْلُهُ مِمَّا اعْتَدَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ } يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَمْرٌ بُلِيَتْ بِهِ نُزِّلَ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ قِبَلِهَا ، فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي ذَلِكَ ؛
الفتاوى الكبرى — صفحة 465
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٥