فَإِنْ قِيلَ : الطَّائِفُ لَا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الطَّوَافِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِطَهَارَةٍ قِيلَ : وُجُوبُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِيهِ نِزَاعٌ ، وَإِذَا قُدِّرَ وُجُوبُهُمَا لَمْ تَجِبْ فِيهِمَا الْمُوَالَاةُ ، وَلَيْسَ اتِّصَالُهُمَا بِالطَّوَافِ بِأَعْظَمَ مِنْ اتِّصَالِ الصَّلَاةِ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ مُحْدِثاً ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ : جَازَ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَطُوفَ مُحْدِثاً ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْإِنْسَانُ إذَا نَسِيَ الطَّهَارَةَ فِي الْخُطْبَةِ وَالطَّوَافِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيُصَلِّيَ .
وَقَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا خَطَبَ وَهُوَ جُنُبٌ جَازَ .
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطاً يَبْقَى الْأَمْرُ دَائِراً بَيْنَ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ .
وَفِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ : لَكِنْ مَنْ يَقُولُ هِيَ سُنَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهَا دَمٌ ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، لَا دَمَ وَلَا غَيْرَهُ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَنْ طَافَ جُنُباً وَهُوَ نَاسٍ ، فَإِذَا طَافَتْ حَائِضاً مَعَ التَّعَمُّدِ تَوَجَّهَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَهُنَا غَايَةُ مَا يُقَالُ : إنَّ عَلَيْهَا دَماً ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَجِبَ الدَّمُ ؛ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ يُؤْمَرُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا مَعَ الْعَجْزِ .
فَإِنَّ لُزُومَ الدَّمِ إنَّمَا يَجِبُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ ، وَهِيَ لَمْ تَتْرَكْ مَأْمُوراً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَلَمْ تَفْعَلْ مَحْظُوراً مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ .
وَهَذَا لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، فَإِنَّ الطَّوَافَ يَفْعَلُهُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، فَصَارَ الْحَظْرُ هُنَا مِنْ جِنْسِ حَظْرِ اللَّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَاعْتِكَافِ الْحَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ بِلَا دَمٍ ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ ، إنَّمَا يَجُوزُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَهِيَ حِينَئِذٍ يُبَاحُ لَهَا الْمَحْظُورَاتُ إلَّا الْجِمَاعَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ كَانَ طَوَافُهَا مَعَ الْحَيْضِ مُمْكِناً أُمِرَتْ بِطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْقَطَ طَوَافَ الْوَدَاعِ عَنْ الْحَائِضِ ، وَأَمَرَ عَائِشَةَ لَمَّا قَدِمَتْ وَهِيَ مُتَمَتِّعَةٌ فَحَاضَتْ أَنْ تَدَعَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ ، وَتُحْرِمَ بِالْحَجِّ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا الطَّوَافِ .
قِيلَ : الطَّوَافُ مَعَ الْحَيْضِ مَحْظُورٌ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ لِلطَّوَافِ ، أَوْ لَهُمَا ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 469
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٩