وَقَدْ جَمَعَ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْعُكُوفِ ، وَالطَّوَافِ ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِ بَيْتِهِ ، بِقَوْلِهِ : { وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } } .
فَمَنْعُهُ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ تَمَامِ طَهَارَتِهِ ، وَالطَّوَافُ كَالْعُكُوفِ لَا كَالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُبَاحُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ ، لَا تَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ ، وَيَجِبُ لَهَا ، وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا لَا يَحْرُمُ فِي اعْتِكَافٍ ، وَلَا طَوَافٍ .
وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، لَا تَخْتَصُّ بِالْإِحْرَامِ ، وَلِهَذَا كَانَ طَوَافُ الْفَرْضِ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَيَطُوفُ الْحَاجُّ الطَّوَافَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
فَيَطُوفُ الْحُجَّاجُ وَهُمْ حَلَالٌ ، قَدْ قَضَوْا حَجَّهُمْ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمٌ إلَّا النِّسَاءَ .
وَلِهَذَا لَوْ جَامَعَ أَحَدُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَمْ يَفْسُدْ نُسُكُهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، وَإِذَا كَانَتْ عِبَادَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَهِيَ عِبَادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، كَمَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَخْتَصُّ بِجَمِيعِ الْمَسَاجِدِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِهِ لِلطَّائِفِينَ ، وَالْعَاكِفِينَ ، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ، وَلَيْسَ هُوَ نَوْعاً مِنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا تَرَكَهُ مِنْ نُسُكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِذَا تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ فِي الطَّوَافِ لِلْعَجْزِ فَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، هَلْ يَلْحَقُ بِمَنْ تَرَكَ شَيْئاً مِنْ نُسُكِهِ ، أَوْ يُقَالُ : هَذَا فِيمَنْ تَرَكَ نُسُكاً مُسْتَقِلّاً ، أَوْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا عُذْرَ أَوْ تَرَكَ مَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْعَاجِزَةَ عَنْ الطَّوَافِ مَعَ الطُّهْرِ تَرْجِعُ مُحْرِمَةً ، أَوْ تَكُونُ كَالْمُحْصَرِ ، أَوْ يَسْقُطُ عَنْهَا الْحَجُّ ، أَوْ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا طَوَافُ الْفَرْضِ ، فَهَذِهِ أَقْوَالٌ كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ ، مَعَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ إمَاماً مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرَّحَ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي هَذِهِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 471
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧١