وبيان لما أجمل من الرد عليهم في قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 1 ) وليس المراد الأمر بعدم التفريق بينهم في الموت والحياة ، فإن هذا لا يرشد إليه سياق الكلام ، بل يرشد إلى ما ذكرنا ، كما أن ذلك مما لم تدع إليه الرسل ، فحمل الآية عليه تحريف لها عما سيقت له من المعنى ، وعلى تقدير حمل قوله : { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } ( 2 ) على عمومه حتى يشمل عدم التفريق بينهم في جنس الموت والحياة - فدليل الواقع والنصوص يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها وزمنها ومكانها وطول العمر وقصره إلى غير ذلك ، فلتكن حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة الآية الرابعة عشر قوله تعالى { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( 3 ) ج : القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره ولا يسأل عنه سواه ، كما في قوله تعالى : { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } ( 4 ) وقوله { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ( 5 ) فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر ، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه . وعيسى عليه السلام وإن دخل في عموم الأمة الماضية إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه ، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصصها ، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك . الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى : { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } ( 6 ) { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } ( 7 ) الآية السادسة عشرة : قوله تعالى : { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } ( 8 ) الآية .
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 231
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٢٣١
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 135
( 2 ) سورة البقرة الآية 136
( 3 ) سورة البقرة الآية 134
( 4 ) سورة الطور الآية 21
( 5 ) سورة الأنعام الآية 164
( 6 ) سورة النساء الآية 157
( 7 ) سورة النساء الآية 158
( 8 ) سورة النساء الآية 159