موته ، أي : موت عيسى ، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام ، كما سيجيء بيانه في حديث نزوله ، وهذا المعنى هو المتعين فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه ، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى رعاية لسياق الكلام ، وتوحيدا لمرجع الضميرين ، وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد قال أبو هريرة : ( اقرؤوا إن شئتم : { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ( 1 ) الآية » ( 2 ) وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم » ( 3 ) ، وثبت في الصحيح أيضا أن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول « لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم تعال صل لنا ، فيقول لا ، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة » ( 4 ) فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان ، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزول عيسى من هذه الأمة ، وعلى ذلك لا تكون هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث لم يأت عيسى برسالة جديدة ، ولله الحكم أولا وآخرا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا معقب لحكمه ، وهو العزيز الحكيم فمن زعم أن عيسى عليه الصلاة والسلام صلب أو قتل فهو كافر ؛ لمخالفته لصريح القرآن ، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن قال من المسلمين إن الله تعالى أمات عيسى عليه الصلاة والسلام موتا حقيقيا ، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله ، فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل ؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 220
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٢٢٠
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية 159
( 2 ) صحيح البخاري البيوع ( 2109 ) , صحيح مسلم الإيمان ( 155 ) , سنن الترمذي الفتن ( 2233 ) , سنن أبو داود الملاحم ( 4324 ) , سنن ابن ماجة الفتن ( 4078 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 2 / 538 ) .
( 3 ) صحيح مسلم الإيمان ( 155 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 2 / 336 ) .
( 4 ) صحيح مسلم الإيمان ( 156 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 3 / 384 ) .