وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ( 1 ) حيث فسر التوفي بالإماتة فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به . وما روي عن ابن عباس من تفسير التوفي هنا بالإماتة فغير صحيح لانقطاع سنده إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه ، وعلي لم يسمع منه ولم يره ، وإنما روى عنه بواسطة ، ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة ؛ لأنه من رواية ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب ، ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس ، وفيه مجهول ، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالا في معنى التوفي ، فإنه قد فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا ، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه ، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان ، إذ الواو لا تقتضي الترتيب ، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط ، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى جمعا بين الأدلة ، وردا للمتشابه منها إلى المحكم ، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وكذلك القول في اختلافهم في تفسير قوله تعالى : { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ( 2 ) فيجب المصير فيه إلى معنى يتفق مع سياق الكلام وما ثبت من أحاديث نزول عيسى آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به ؛ جمعا بين الأدلة ، ومحافظة على مقصد المتكلم من كلامه ، فمن نظر إلى هذه الآية مجردة عما قبلها وعن القصد الذي سيقت له وعن الأدلة الأخرى التي وردت في موضوعها وتأولها على معنى لا أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن بالله أو بعيسى قبل موته ، أي الكتابي - فقد خالف ظاهر الآية وسياق الكلام وما ثبت من الأدلة الأخرى في شأن عيسى ، وكان بذلك ممن اتبع ما تشابه من المنزل ولم يرده إلى المحكم منه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فحق عليه وعيد من قلوبهم زيغ ، قال الله تعالى { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 221
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٢٢١
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 55
( 2 ) سورة النساء الآية 159