المفتي للمستفتي في مسائل الاجتهاد ، ينبغي أن تكون مقيدة بالشريطة التي وصفنا ، فلا
يؤدي إلى التضاد والتنافي ، إذا كان جائزا ورود النص بمثله ، بأن يقول : إن اخترت قول
فلان فهذا محظور عليك ، وإن اخترت قول فلان فهو مباح لك ، كما قال : إن سافرت
ففرضك ركعتان ، والافطار مباح لك في رمضان ، وإن أقمت ففرضك أربع ، ومحظور عليك
الافطار ، وكما يقول للمكفر عن يمينه : إن كفرت بالطعام فهو فرضك دون غيره ، وإن
كفرت بالعتق فهو فرضك دون غيره ، والكسوة .
فإن احتج بعضهم في إبطال القياس بأنه معلوم فيما بيننا : أن رجلا لو قال لرجل :
أعتق عبدي فلانا لأنه أسود : أنه غير جائز ، للمأمور عتق سائر عبيده السودان ، لأجل هذا
الاعتلال ، وخطاب الله تعالى لنا محمول على المعقول من خطابنا في تعارفنا ، لقوله تعالى :
( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون الله
تعالى ، لو نص على العلة ، بأن يقول حرمت عليكم التفاضل في البر ، لأنه مكيل ، أن لا
يجوز لنا تحريم التفاضل في الأرز ، لأجل وجود الكيل فيه .
الجواب : إن هذا غلط من قائله من وجهين :
أحدهما : أن القائل لم يأمرنا باعتبار أوامره ورد ما لم ينص ( لنا ) عليه إلى نظيره
من النصوص ، وإذا كان كذلك ، لم يجز لنا أن نتعدى في أمره موضع النص .
الثاني : أن القائل منا ذلك يجوز عليه العبث ، ووضع الكلام في غير موضعه ، فإذا
قال : أعتق عبدي ( فلانا ) لأنه أسود ، لم يثبت عندنا صحة اعتلاله ، وأنه سبب موجب
لعتقه ، فلم يجب اعتباره ، لان العلة التي يقاس بها سبيلها أن يكون علة صحيحة ، تكون
علما للحكم ، وأما ما نص الله تعالى عليه من العلل ، أو أقام عليه الدلائل ، فإنها علل
صحيحة ، وقد أمرنا مع ذلك باعتبارها ، ورد النظائر إليها ، بما أقمنا من الدلالة على وجوب
القول بالقياس ، فلزم إجراء اعتلاله في معلولاته .
ومن جهة أخرى : إنا نعلم أنه تعالى لا يجوز عليه فعل العبث ، ولا وضع الكلام
الفصول في الأصول — صفحة 94
مساهمون: الجصاص
ص٩٤