ثم لا يخلو بعد ذلك القول فيها من أحد وجوه ثلاثة :
إما أن يكون مستدركا من جهة الظن والتخمين ، ( وما ) يسبق إلى الوهم ، من غير
رد إلى أصل ، أو الوقف فيها ، أوردها إلى الأصول المنصوص عليها بالمعاني التي جعلت علما
لأحكامها ، على ما قال القائسون .
والقول بالوقف والتخمين : باطل عند الجميع . فثبت وجوب ردها إلى الأصول
بالمعاني التي تضمنتها ، وجعلت علما للحكم فيها ، فيحكم لها بحكمها ، وهذا هو
القياس الشرعي الذي نقوله .
فإن قال قائل : ما أنكرت أن يكون النص على وجهين : نص جلي ، ونص خفي .
فأما الجلي : فهو الذي يعقل معناه من لفظه .
وأما الخفي : فهو الذي يدرك بالتأمل والتدبر ، والفكر ، والنظر . فتكون أحكام
الحوادث مأخوذة من هذه الجهة ، وقد استغنينا به عن القياس والاجتهاد .
قيل له : أدل ما في هذا : إن قولك بالنص الخفي متناقض فاسد . لان النص في
اللغة : المبالغة في إظهار المعني الذي هو عبارة عنه ، ومنه قولهم : نصصت الحديث إلى
فلان ، يعني أظهرت أصله ومخرجه ، وقال الشاعر :
أنص الحديث إلى أهله * فإن الأمانة في نصه .
ويقولون : نصصت الدابة في السير ، إذا بالغت في إظهار ما في وسعها ، وطاقتها من
ذلك .
و ( منه ) المنصة ، سميت بذلك لان الجالس عليها يكون ظاهرا للحاضرين . فإذا
كان النص هو الاظهار والإبانة ، تناقض قول القائل : نص خفي ، لأنه يكون حينئذ بمنزلة
من قال : ظاهر خفي . وواضح غامض . وهذا متناقض فاسد .
فبان بذلك بطلان قول من قال : نص خفي .
ثم لو سلمنا ( له ) اللفظ ، لم يضرنا ذلك ، فيما أردنا إثباته ، ولم يقدح فيما ذكرنا ، لأنه
الفصول في الأصول — صفحة 76
مساهمون: الجصاص
ص٧٦