فلو قال قائل : إني أجيز اعتبار المعاني والقياس عليها في الطلاق دون العتاق ، وفي
الصلاة دون الزكاة لكان قوله ساقطا مرذولا .
كذلك من أجاز اعتبار المعاني ، وأجرى الحكم عليها في بعض الأشياء ، ومنع في
بعضها ، مما شاركه في المعنى ، فقوله ساقط .
وجميع ما ذكرنا من جهة حجج العقول في إثبات القياس ، فإنما تكلم به قوم عقلاء
( قد ) أثبتوا حجج العقول ، وأحكامها .
فأما من أنزل نفسه منزلة البهيمة وقال : بل على العقول . ونفى أن تكون السماوات
والأرض دلائل على الله تعالى ، فإنه جدير بالتهمة بالاسلام ، وأن يكون من دسس
الملحدين والزنادقة ، في الصرف عن الاستدلال على التوحيد ، وعلى أحكام الله تعالى ،
ومثله إنما يثبت عليه القول بحجج العقول ، بحيث لا يمكنه دفعه ، على ما بيناه في بابه ، ثم
يلزم اعتباره في أحكام الحوادث على الوجه الذي ذكرنا ، وتكلم في هذا الموضع بعموم
الآيات التي قدمنا ذكرها في الامر بالاعتبار والاستدلال . فالرد إلى كتاب الله تعالى ، وإلى
الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا لم نجد حكم الحادثة منصوصا في الكتاب ، علمنا وجوب الرد إليهما من
جهة المعنى ، إذا قد ثبت اعتبار المعاني بما ذكرنا من تعلق الحكم بها ، وإن حكم بها في
أشخاص بأعيانهم ، وما جرى مجرى ذلك مما يعترف هو بلزومه وثبوت حجته من العموم
وظواهر الأسماء وبالله التوفيق .
وقد كان أبو الحسن يحتج لاثبات القياس : بأنه ما من حادثة ، إلا والله تعالى فيها
حكم . إما بحظر ، أو إباحة ، أو إيجاب ، فلا يخلو حينئذ الحكم فيها من أن يكون مستدركا
من طريق النص ، أو من غير جهة النص ، فيرد إلى النص ، ويبنى عليه .
فلما امتنع وجود النص في جميع الحوادث - لأنها لو كانت منصوصا على حكمها - لما
كانت حوادث ، ولكانت أصولا ، ولأنا لم نجد في سائر الحوادث نصوصا ، ولأنه يستحيل
وجود النص فيها ، إذ كانت الحوادث لا غاية لها ( يحيط علمنا ) ( بها ) - ثبت أن أحكام
الحوادث كلها ليست منصوصا عليها .
الفصول في الأصول — صفحة 75
مساهمون: الجصاص
ص٧٥