تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
فلو قال قائل : إني أجيز اعتبار المعاني والقياس عليها في الطلاق دون العتاق ، وفي الصلاة دون الزكاة لكان قوله ساقطا مرذولا . كذلك من أجاز اعتبار المعاني ، وأجرى الحكم عليها في بعض الأشياء ، ومنع في بعضها ، مما شاركه في المعنى ، فقوله ساقط . وجميع ما ذكرنا من جهة حجج العقول في إثبات القياس ، فإنما تكلم به قوم عقلاء ( قد ) أثبتوا حجج العقول ، وأحكامها . فأما من أنزل نفسه منزلة البهيمة وقال : بل على العقول . ونفى أن تكون السماوات والأرض دلائل على الله تعالى ، فإنه جدير بالتهمة بالاسلام ، وأن يكون من دسس الملحدين والزنادقة ، في الصرف عن الاستدلال على التوحيد ، وعلى أحكام الله تعالى ، ومثله إنما يثبت عليه القول بحجج العقول ، بحيث لا يمكنه دفعه ، على ما بيناه في بابه ، ثم يلزم اعتباره في أحكام الحوادث على الوجه الذي ذكرنا ، وتكلم في هذا الموضع بعموم الآيات التي قدمنا ذكرها في الامر بالاعتبار والاستدلال . فالرد إلى كتاب الله تعالى ، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا لم نجد حكم الحادثة منصوصا في الكتاب ، علمنا وجوب الرد إليهما من جهة المعنى ، إذا قد ثبت اعتبار المعاني بما ذكرنا من تعلق الحكم بها ، وإن حكم بها في أشخاص بأعيانهم ، وما جرى مجرى ذلك مما يعترف هو بلزومه وثبوت حجته من العموم وظواهر الأسماء وبالله التوفيق . وقد كان أبو الحسن يحتج لاثبات القياس : بأنه ما من حادثة ، إلا والله تعالى فيها حكم . إما بحظر ، أو إباحة ، أو إيجاب ، فلا يخلو حينئذ الحكم فيها من أن يكون مستدركا من طريق النص ، أو من غير جهة النص ، فيرد إلى النص ، ويبنى عليه . فلما امتنع وجود النص في جميع الحوادث - لأنها لو كانت منصوصا على حكمها - لما كانت حوادث ، ولكانت أصولا ، ولأنا لم نجد في سائر الحوادث نصوصا ، ولأنه يستحيل وجود النص فيها ، إذ كانت الحوادث لا غاية لها ( يحيط علمنا ) ( بها ) - ثبت أن أحكام الحوادث كلها ليست منصوصا عليها .