تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
وأما مخالفة الفعل : فجائز إذا صادف موافقة الامر . ألا ترى أن المسافر إذا صلى ركعتين ، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم أربعا ، كان مخالفا للنبي صلى الله عليه وسلم في فعله ، وكان ذلك جائزا له ، لأنه لم يخالفه في أمره . وقد سألوا في نحو هذا ، بأن قالوا : ألا يخلو كل واحد منهما بأن يكون ناهيا للمأمور عن قبول قول الاخر أولا ؟ فإن لم يكن ناهيا عن ذلك فهو له مبيح ، أو أن يكون ناهيا عن ذلك ، فيكون اتباع كل واحد منهما معصية للاخر . فنقول له : إن ههنا قسما ثالثا ، قد ذهب عليك أمره ، وهو أن كل واحد منهما إياه معقول بشريطة اختيار المأمور إياه ، فإن اختاره كان منهيا عن حكم آخر غيره ، وإن اختار ما قاله النبي الآخر كان الذي عليه من الحكم ما اختاره ، وكان منهيا عن إمضاء حكم آخر غيره على نفسه . وإذا كان مصدر الامرين من النبيين على هذه الجهة ، سقط اعتراض السائل لما ذكر ، وكانت المسألة مستمرة على أصل القوم . فإن قال قائل : إذا كان دليل الإباحة يوجب إباحتها ، ودليل الحظر يوجب حظرها ، صار كل واحد من الدليلين بمنزلة نص ، لو ورد على هذا النص من غير تخيير ، لان الدلالة في واحد منهما لم يقتض التخيير . وإيجاب التخيير ضد موجب الدليل جميعا . وغير جائز ورود النص على هذا الوجه ، وهما ثابتا الحكم ، وإنما يجوز ورود النص بذلك على جهة نسخ أحدهما بالآخر . فأما ورودهما معا على هذه الوجه فمحال . فكذلك غير جائز ورود الدليل ، لأنهما إذا وردا كذلك لا يوجبا تخييرا . قيل له : قد بينا فيما سلف : أن دلائل أحكام الحوادث ليست موجبة لمدلولاتها ، وأنه