تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
من أهل مكة ، وكان هؤلاء القوم دسيسا من قبيل قريش ، ضمنوا لهم على ذلك مالا ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته حين بلغه خبرهم . ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك على ما اقتضاه ظاهر حالهم ، ولم يعلم الغيب في ضميرهم ، وما عزموا عليه من الغدر ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مخطئا لحكم الله تعالى إذ لم يكن مكلفا بغير الظاهر من أمرهم ، ولم يجعل له سبيل إلى العلم بحقيقة حالهم . وكذلك قصة أهل بئر معونة ، وقصة العرنيين حين استاقوا الإبل وارتدوا . ونحو ذلك مما كان النبي صلى الله عليه وسلم مكلفا فيه للحكم الظاهر ، دون الحقيقة ، ثم لم يكن مخطئا عند وقوع الامر على خلاف تقديره . فإن قيل : إنما كلف فيه الظاهر ولم يكلف المغيب ، لأنه لم يجعل له سبيل إلى علم الغيب ، والمجتهد قد جعل له سبيل إلى علم حقيقة المطلوب في حكم الحادثة . قيل له : لو كان قد جعل له سبيل إلى إدراك حقيقة المطلوب بإقامة الدلالة عليه ، لعلمه من اجتهد وبالغ في طلبه . ولو كان كذلك لكان مخطئه عاصيا ، ولأنكرت الصحابة بعضها على بعض الخلاف الواقع بينهم في حوادث الفتيا ، ولما أجازوا خطأ المخطئ على سبيل ما بيناه ، ثم احتسبوا المخطئ معذورا باجتهاده في خطئه . فكف عذر من عرف خطأ ، ثم أجاز حكمه على الناس ، وعلى نفسه وليس هو موضع العذر مع وقوع ( العلم ) بالخطأ . ومما يزيد ما قدمنا في ذلك وضوحا وقد ذكرنا بعضه ، وإنما لما نذكر معه من الزيادة ، أن المجتهد لا يخلو من أن يكون مأمورا بإمضاء ما أداه إليه اجتهاده فيما طريقه الاجتهاد ، وان لم