فروض صلاته ، وخلفه قوم يأتمون به ، ويراعونه ، ثم لا يوقفونه على خطئه ، ولا ينبهونه على
موضع إغفاله ؟
فإذا كان ذلك ممتنعا وقوعه ، فكيف جاز وقوع التواطؤ من السلف على ترك توقيف
المخطئ عندهم ، وإظهار النكير عليه إن لم يقبل ، ولم يراجع ؟
ومعلوم أنه غير جائز منهم ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكيف اتفقوا على
إجازة أحكام من خالفهم في الحوادث على أنفسهم وعلى غيرهم ، وسوغوا لهم الفتيا بها ،
وإلزام الناس إياها ، وأحسبهم جعلوهم معذورين في اجتهادهم ، فكيف أجازوا لهم إمضاء
تلك الأحكام على المسلمين في دمائهم وفروجهم وأموالهم وأنسابهم ؟ ومن الذي أوجب
على العالم إجازة خطأ الجاهل على نفسه ؟
وكان لا أقل من أن ينهوهم في أن يتعدوا أحكامهم ، إذ كان عندهم أنها خطأ ، خلاف
حكم الله تعالى ، وأن يلزموها أنفسهم ، وأن لا يلزموا الناس قبولها وإنفاذها على
أنفسهم .
فإن نهوهم فلم ينتهوا ، وأوفقوهم على موضع إغفالهم فلم ينتبهوا ، وعرفوهم موضع
الدليل فلم يقبلوا ، وأقاموا عليهم الحجة فأصروا على الخطأ ، كان لا أقل أن يكون سبيلهم
سبيل الخوارج ، ومن عدل عن الحكم الذي قامت الدلالة عليه عندهم ، أنه حكم الله
تعالى ، ويمنعون قبول فتياه وأحكامه التي هي خطأ عندهم .
ألا ترى : أنهم حين رأوا عبد الله بن عباس يجيز الصرف ويبيح المتعة أنكروه وأخبروه
بحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيهما بالتحريم ؟ فلما تواتر عنده الخبر من ناحيتهم بذلك انتهى عن قوله
فيهما ، ورجع عنه .
ألا ترى : أن قوله لما لم يكن عندهم صوابا أنكروه ، ولم يعذروه ؟ ولو كان سبيل المجتهد
عندهم إذا خالفهم كسبيل الناسي لركوعه وسجوده ، لما تركوا موافقته ، كما لا يترك المأموم
موافقة الامام إذا نسي ركوعا أو سجودا .
فإن قال قائل : إذا أعطيتمونا أن الأشبه له حقيقة معلومة عند الله تعالى ، وهو المطلوب
الفصول في الأصول — صفحة 318
مساهمون: الجصاص
ص٣١٨