تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
فكان عبد الرحمن وعثمان يريان تقليد أبي بكر وعمر أولى من اجتهاده ، وكان عند علي أن اجتهاده أولى من تقليدهما . وروي عن عمر أنه سأل ابن مسعود عن مسألة في الصرف ، فأجاب فيها بأنه لا بأس به . فقال عمر : لكني أكرهه . فقال ابن مسعود : قد كرهته إذ كرهته . فترك رأيه تقليد العمر ، لأنه غير جائز أن يكون انتقاله عن المذهب الأول إلى الثاني بنظر واستدلال ، إذ لم يكن بين القولين مدة يمكن النظر والاستدلال فيها . وكان أبو الحسن يقول : إن تقليد المجتهد لغيره ممن هو أعلم منه ، وترك رأيه لرأيه ضرب من الاجتهاد في تقوية رأي الاخر في نفسه على رأيه ، لفضل علمه وتقدمه ، ومعرفته بوجوه النظر والاستدلال ، فلم يخل في تقليده إياه من أن يكون مستعملا لضرب من الاجتهاد يوجب عنده رجحان قول من قلده على قوله . قال أبو بكر : ولا فرق عندنا - على قول أبي حنيفة في جواز تقليده لغيره بين أن يقلده ليأخذ به في شئ ابتلي به في أمر نفسه ، وبين أن يفتي به غيره ، يجوز له أن يفعل ذلك في الامرين جميعا . لان المسألة التي ذكرها ( في كتاب الحدود ) إنما ذكرها في القاضي إذا قلد غيره فيما كان ابتلي به من أمر الحكم ، فأجاز تقليده غيره في توجيه الحكم به على من خاصم إليه ، وإنما كان هكذا من قبل أنا قد بينا أن ذلك ضرب من الاجتهاد في ترجيح قول من قلده على قوله ، وإذا ثبت عنده رجحان هذا القول ( ثم ) جاز له أن يأخذ لنفسه ، جاز له أن يفتي به غيره ، ويحكم به عليه .