تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وأما قوله : إن اتساقها وعدم مقاومة أخرى لها دلالة على صحتها ، فإنا قد قلنا : إن الأصول قد دفعتها من الوجه التي ذكرنا . ولو كان مثله دليلا على صحة العلة لجاز أن يقال مثله في نفس المذهب . فيقول : إن الدليل على صحة مذهبي أنه متسق لا يدفعه أصل ، ولا يقاومه مذهب غيره ، ولم تقم الدلالة على فساده ، لأنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، فلما امتنع أن يكون مثله دليلا على صحة المذهب كان كذلك حكم العلة . فإن قال : إن دعوى المذهب يقاومها الخصم بضدها . قيل : ودعوى العلة يقاومها دعوى الخصم أنها علة فاسدة ، وأن مذهبي صحيح ، فدل على صحة اعتلالك . ألا ترى : أن جري العلة معلولها إنما هو دعواك وقولك غير مقرون بدليل ، لأنك إذا سئلت عن علة تحريم التفاضل في البر بالبر فقلت : إنه مأكول جنس ، فاستدللت عليه بأنه جار في معلوله ، كان حقيقة هذا القول : أن الدليل عليه ، أني قلت في البطيخ والرمان ( والعدس ) والأرز ونحوها من المأكولات ، فلم تحصل منها إلا على الدعوى . وهذا الضرب من الدعاوي يكفي في معارضتها قول الخصم : ليس هذا كما ادعيت لا في هذا الأصل الذي ذكرت ، ولا في غيره كالمذهب نفسه . إذا خالفك خصمك فيه ، كان خلافه إياك معارضا لقولك ، ومقاوما لمذهبك ، إذا لم تعضده بدلالة ، فتحصل أنه وهو على الدعوى . ويقال له : أليس القائلون بعلة تحريم التفاضل على اختلافهم فيها قد أجرى كل منهم علته في معلولها ، فواجب على هذه القضية ، أن تكون كلها صحيحة ، وهذا خلاف الإجماع ، لان الاتفاق قد حصل أن الصحيح من هذه العل هي واحدة منها ، ثم قد قاومت كل واحدة صاحبتها في باب جريها في معلولها ، ثم مع ذلك لا يعوز خصمك في كل علة تعتل بها وتقتصر في الاستدلال على صحتها على ما ذكرت ، أن ينصب علة بإزاء علتك موجبة للحكم بضد موجب علتك ، معارضة لها وتجريها في معلولها .