ويقول : الدليل على صحة علتي جريها في معلولها .
ولا ينفك حينئذ من أحد أمرين : إما أن تسوغ له ذلك ، فتصح العلتان جميعا ،
وهما توجبان حكمين متغايرين ، ويلزمك القول بهما جميعا ، واعتقاد وجوب حكمين
متضادين في شئ واحد في حال واحدة ، وهذا هو الاختلاف الذي نفاه الله تعالى عن
أحكامه بقوله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .
فيقال له : ما أنكرت أن يكون ما يؤدي إلى هذا التضاد والاختلاف من عند غير الله
تعالى ، لأنه لو كان من عند الله عز وجل ، لما أدى إلى هذا الاختلاف إد لا يسوغ له
ذلك .
فيقول بالاستدلال على صحتها بجريها في معلولها ، فهذا التضاد الذي ذكرنا ضرب
من الاختلاف الذي هو منتف عن أحكام الله تعالى .
واختلاف ثان هو منتف أيضا : أن يكون من عند الله تعالى ، وهو ما ذكرنا من
اتفاق الجميع على أن العلة أحد المعاني التي اختلفوا فيها ، دون جميعها ، لم ( يجر ) الجميع
مجرى علته في معلولها ، مع اتفاقهم أن الصحيح واحدة منها .
ولو كان مجرى العلة في معلولها علامة لصحتها ، لما قاومتها علة فاسدة ، لان الحق
لا يقاومه الباطل ، حتى لا ينفصل منه قال الله تعالى : ( بل نقذف بالحق على الباطل
فيدمغه فإذا هو زاهق ) فمتى وجدنا في مذهب هذا الاختلاف ، علمنا أنه ليس من عند
الله تعالى : فنحن لو استدللنا بالآية على فساد هذه المقالة لكانت كافية في إفسادها ، فقد
بان فساد هذا القول من وجوه :
الفصول في الأصول — صفحة 169
مساهمون: الجصاص
ص١٦٩