لم يقطع بصحة خبر كل واحد منهم بعينه ، إذا قررناه في أنه صلى الجمعة معهم ، وإذا كنا
قد علمنا باضطراد : أن روايات الأفراد في كثير من الأحكام قد اشتملت على صدق فيما
أخبرت به وروته ، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يكون منه الحكم في بعض أمور الدين ، يخبر به
الخاص من الناس الذي لا يوجب نقله العلم بصحة مخبره ، ولا يشيعه في سائر الناس ،
على ما كان يحدث من الحوادث ، ويبلى بها خواص من الناس ، فيكون معرفة أحكامها
موقوفة على من بلى بها ، دون كافة الناس . وإن كان ذلك كذلك . فلولا أن خبر ذلك
الواحد يوجب العمل بموجب حكمه ، لما أخبر ( 1 ) النبي عليه السلام ذلك الحكم من
إشاعته وإظهاره للناس حتى يتواتر الحكم ، ( 2 ) وغير جائز أن يكلهم إلى اجتهاد رأيهم ، مع
وجود النص منه في حكم بعينه ، فدل على أنه إنما وكلهم إلى العمل بالخبر ( 3 ) الذي أودعه
الواحد والاثنين ، ومن لا يوجب خبره العلم .
ومن جهة الإجماع : أنه لا خلاف في الصدر الأول ومن بعدهم ، ومن تابعهم ،
وأتباعهم ، في قبول الأخبار في كثير من أمور الديانات .
والذي نبينه ما روي في الأخبار المتواترة من الصدر الأول ، وأخبار الآحاد في ذلك ،
والعمل بها من غير نكير من أحد منهم على قائلها ، ولا رد لها .
وقد أورد ( 4 ) عيسى بن أبان من ذلك جملا .
منها : ما روى عن علي عليه السلام قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا
نفعني الله بما شاء منه ، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته ، فإن حلف صدقته ، وحدثني
أبو بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من رجل يذنب ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ، ثم يصلي
ويستغفر الله ، إلا غفر له الله ) . ( 5 )
الفصول في الأصول — صفحة 85
مساهمون: الجصاص
ص٨٥