فان العدل المطلوب هو العدل الظاهر المقدور عليه وليس هو العدل في
المودة والمحبة ، فان ذلك لا يستطيعه أحد ، بل العدل المبتغى هو العدل في
المحبة والمودة والجماع .
قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن هذه الآية فقال هو الحب والجماع .
قال أبو بكر بن العربي : وصدق ، فان ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين
إصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء ، وكذلك الجماع فقد ينشط
للواحدة مالا ينشط للأخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه ،
فإنه مما لا يستطيعه ، فلا يتعلق به تكليف . وقالت عائشة :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ، ويقول : " اللهم
هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تلك ولا أملك " قال أبو داود :
يعني القلب .
رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وقال الخطابي في
هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر ، وإنما المكروه في
الميل ، هو ميل العشرة الذي يكون معه نجس الحق ، دون ميل القلوب ، فان
القلوب لا تملك . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي في القسم بين
نسائه ويقول : " اللهم هذا قسمي " الحديث .
وفي هذا نزل قوله تعالى : " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
حرصتم ، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " .
وإذا سافر الزوج فله أن يصطحب من شاء منهن وان أقرع بينهن كان حسنا .
ولصاحبة الحق في القسم أن تنزل عن حقها ، إذ أن ذلك خالص حقها ،
فلها أن تهيه لغيرها .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، وكان
يقسم لكل امرأة منهن يومها ، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال الخطابي : فيه اثبات القرعة ، وفيه ان القسم قد يكون بالنهار كما يكون بالليل . وفيه
أن الهبة قد تجري في حقوق عشرة الزوجية كما تجري في حقوق الأموال .
واتفق أكثر أهل العلم على أن المرأة التي يخرج بها في السفر لا تحتسب عليها تلك المدة