تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
كيف وهؤلاء لا يجزون الفرقة ولا يلقون تحية ولا سلاما . وكانت هناك أسئلة عن قيمة العمل وقيمة حركة الإنسان في عالم الابتلاء والاختبار . فالله تعالى قرن الإيمان والعمل في حبل واحد فقال : ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ) ( 1 ) . وميز سبحانه بين عمل المؤمن وبين عمل المفسد ، فقال : ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ) ( 2 ) ، وقال : ( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ ) ( 3 ) . فأين هذا من الذي يجري في الساحة ؟ فهذه الأسئلة وغيرها كانت تطرح على أرض الواقع ، الذي اعتمد حكامه مذهب الجبرية إماما لهم ، وأمام هذه الأسئلة تجرح القاضي وهو في الوقت نفسه السياف ، لإيجاد الدواء المناسب لهذه الأسئلة وغيرها . والضمير الآثم إذا بحث عن الدواء ، جاء به من حركة أوزاره الماضية . يقول د . خليف : في هذا الجو السياسي المضطرب ، ظهرت المرجئة . . مذهبا سياسيا مسالما . . . والدولة الأموية كانت عاملا قويا على استقرار مذهب المرجئة . . . وسارع الناس إلى اعتناق المذهب الذي وجدوا فيه وسيلة للعيش في سلام واطمئنان مع الحكومة الدكتاتورية . ووجد الأمويون في هذا المذهب ضالتهم المنشودة ، التي كانوا يتمنون أن يعثروا عليها وسط الاتجاهات والمذاهب المتعددة المعادية لهم ( 4 ) . ويقول د . شوقي ضيف عن هذه الاتجاهات : إن أفكار المرجئة تخدم البيت الأموي ، الذي كان في رأي الشيعة وكثير من الأتقياء منحرفا عن الجادة الدينية ، وينبغي أن يغيره المسلمون ويضعوا مكانه البيت العلوي . والمرجئة لم يكونوا يوافقونهم على هذا الرأي ، لأنهم لا يريدون المفاضلة بين المسلمين ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى ، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما " ( 5 ) .
هامش
( 1 ) سورة الحج : الآية 14 . ( 2 ) سورة ص : الآية 28 . ( 3 ) سورة غافر : الآية 58 . ( 4 ) المصدر السابق 309 . ( 5 ) التطور والتجديد في الشعر الأموي ص 50 .