تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
كله الله ، وهناك فتن يقذف بها تيارات الهدم ، فلا بد من التصدي لها وكشف أوتاد النفاق فيها ( 1 ) . والمال والبنون لا يمكن مخاصمتهما وهما من الفتن ، إنما يتم التعامل معهما بميزان الله تعالى . إن المخاصمة لا يستقيم مع حركة الوجود ، والذي يستقيم هو التعوذ من مضلات الفتن . وعلى ما سبق لا نوافق بأن توضع بذرة الإرجاء على أرضية اعتزال الصحابة أيام قتال أمير المؤمنين علي ومعاوية ، لأن التاريخ يشهد بأن هذه البذرة وضعت من أجل احتناك الكثير من عباد الله ، ولتتعانق شجرتها مع شجرة الجبرية في ليل واحد . وبذرة المرجئة أمام الناقد البصير شربت من نفس الماء الذي شرب منه الجبرية ، وصبت ثمارها في سلتهم بصورة أو بأخرى . لقد دخلوا من باب الفلسفة ، والفلسفة عندما تكون أجوبتها عقلية أو منطقية ، تولد عن الإنسان قناعة فكرية بما سمع . أما إذا جعلت الجمود لها مادة والمتاهات لها ديار ، ثم دخلت من باب القضاء والقدر ، فهنا تكمن الكارثة . لأن هناك الكثير من بني الإنسان يؤثر عليهم الكلام في القضاء والقدر ، وينتهي بهم التفكير في مسائله إلى عدة طرق : إما متشائمين ، وإما مستسلمين ، أو مضطربين فكرا أو سلوكا . وهذا التفكير يدفع بأصحابه في أحد طريقين : إما طريق الاستسلام للقدر نتيجة لفهمهم الخاص ، وإما أن ينسبوا إلى الله تعالى الظلم أو يكفروا به مطلقا ، أو يكفروا به وهم لا يشعرون . وإذا كان بنو أمية وأهل الكتاب هم الذين يشرفون على مطبخ الفلسفة فلا خير يرجى من عندهم . لقد التقط الوليد بن عبد الملك بذرة الإرجاء التي تركها له والده ( 2 ) . ومن الذين جهزوا وزودوا تيار الإرجاء يوحنا الدمشقي ، الذي كان يتمتع بشهرة كبيرة في عاصمة الأمويين ، وكان يقوم ببحوث دينية في الوقت الذي كان الناس يتحدثون فيه عن الإرجاء ( 3 ) ، ولقد ذكر أكثر من واحد أن هناك صلة بين مبادئ
هامش
( 1 ) روي عن علي أنه قال : " لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان فإنها تبير المنافقين " رواه أبو نعيم كنز العمال 189 / 11 . ( 2 ) رسائل ابن حزم ص 163 . ( 3 ) حياة الشعر في الكوفة / د . يوسف خليف ص 312 .
معالم الفتن — صفحة 371 | سعيد أيوب