الباب الثاني
في أقدار الأغذية وما ينبغي ان يقدم منها أو يؤخر ،
قال أبقراط الحكيم ان الناس في دهرنا هذا اخذوا من الطعام
فوق طاقتهم فهلك كثير منهم بذلك وخلطوا الطعام القوي بالطعام
الضعيف واللين مع اليابس ، فلما استقر ذلك في معدتهم انهضم اللين
وبقي اليابس في المعدة ، وتولدت منه الأمراض فصاروا يغتذون
بطعام السباع ، فلما كثرت فيهم الأمراض تجنبوا عند " تزايد " العلة
الطعام الغليظ الذي نسميه طعام السباع فانتفعوا بذلك ، وقال جالينوس
انه ينبغي ان يوكل أولا ما لان من الغذاء ثم يوكل بعده اليابس ،
لان الطعام اللين ينهضم سريعا ويسهل خروجه ويخرج اليابس
بعده ، وذكر ان شاعرا شكى اليه ضعف معدته وانه لا يستقر فيها
الطعام بل يتقيأه ، وانه حضر طعامه يوما فوجده يبدأ بأشياء قابضة
مثل السفرجل والكمثرى ، ثم يأخذ بعد ذلك بقولا مطبخة ،
فكانت تلك الأشياء القابضة تعصر المعدة من أسفلها فتري المعدة بما
فيها إلى فوق ، وانه امره ان يبدأ بأكل البقول المطبخة اللينة ثم يأكل
الأشياء القابضة بعده فلما فعل ذلك ليس انه انقطع القئ فقط لكنه
أسهله ، لان الأشياء القابضة عصرت المعدة من فوقها فأزلقت تلك
البقول المطبخة إلى أسفل وانحدرت تلك القابضة في اثرها ، وقال
غيره ان للأغذية أربعة حدود أولها وقت الغذاء ثم مرتبته ثم كميته
ثم موافقته ، فاما الوقت والمرتبة فان لا يأخذ طعاما الا بعد ما يستمرئ
الطعام الأول ، ويبدأ بما لان من الثمار مثل التين والخوخ والبطيخ ،
" وبعدها الفواكه القابضة " ولا يبدأ باليابس من الأغذية قبل ذلك ،
لان الغذاء اللين المرئ ينهضم قبل اليابس البطئ الاستمراء ويطب
مخرجا فإن لم يجد المخرج فسد وأفسد ما كان تحته من الغذاء
فردوس الحكمة في الطب — صفحة 117
مساهمون: إبن سهل الطبري
ص١١٧