فطهر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالمغفرة مما هو ذنب بالنسبة
إلينا ، لو وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم لكان ذنبا في الصورة لا في المعنى ،
لأن الذم لا يلحق به من الله تعالى ولا منا شرعا ، فلو كان حكمه حكم الذنب
لصحبه ما يصحب الذنب من المذمة ، ولم يكن يصدق قوله : ( ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
فدخل الشرفاء أولاد فاطمة : كلهم [ ومن هو من أهل البيت مثل
سلمان الفارسي ] ( 1 ) إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ، فهم المطهرون
باختصاص من الله تعالى ، وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، عناية
الله سبحانه به ( 2 ) .
فينبغي لكل مسلم [ مؤمن بالله وبما أنزله ] ( 3 ) أن يصدق الله تعالى في قوله :
( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فيعتقد في جميع ما يصدر
[ من أهل البيت ] ( 4 ) رضي الله عنهم أن الله تعالى قد عفا عنهم فيه .
ولا ينبغي لمسلم أن يلحق المذمة ، ولا ما يشنأ أعراض من قد شهد الله تعالى
بتطهيرهم وإذهاب الرجس لا بعمل عملوه ، ولا بخير قدموه ، بل سابق عناية
واختصاص إلهي ( 5 ) ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ( 6 ) .
هامش
1 - سقطت من ( ق ) و ( س ) ، والمثبت عن ( الفتوحات ) .
2 - اختصر المقريزي نص ابن عربي مع طوله فحذف بعض الفقرات .
3 - سقطت من ( ق ) و ( س ) والمثبت عن ( الفتوحات ) .
4 - في ( ق ) و ( س ) : ( ما يصدر من أولاد فاطمة ) .
5 - لأن الله اصطفى محمدا وأهل بيته قبل الخلق ، فكانوا أنوارا حول عرش الله يعبدون الله ولا
يفترون ، ويقدسونه ويخلصون ، إلى أن خلق الخلق - الملائكة - فقدسوا بتقديس أهل البيت ،
راجع : مناقب الخوارزمي : 145 الفصل 14 ح 169 ، ، وتذكرة الخواص : 121 - 122 الباب
السادس - خطبة في مدح النبي والأئمة ، وينابيع المودة 1 : 314 ط . إسلامبول وط . النجف : 377 ،
وج 2 : 247 - 486 ط . إسلامبول وط . النجف : 513 - 582 - 584 ، وكشف الغمة 2 : 108 ،
وكمال الدين 2 / 335 - 256 ، وبحار الأنوار 26 / 301 - 335 - 326 - 345 ، وكشف اليقين :
28 .
وعالم أنوار أهل البيت : عالم غريب عن الأسماع يحتاج إلى بسط كلام وقد فصلناه في الكتاب
الأول من حقيقة آل محمد 9 - الولاية التكوينية .
( 1 ) - توضيح مراد المصنف :
في أن الإرادة تكوينية في آية التطهير
يختلف المعنى في آية التطهير باختلاف تفسير الإرادة ، فإنه على كون الإرادة في الآية تشريعية يكون
الله تعالى يعطي أهل البيت عليهم السلام الطهارة والعصمة بعد طاعتهم لله وجزاء لعبادتهم التي تكون
باختيارهم ورغبتهم وفعلهم .
فيكون المعنى ( أمركم الله باجتناب المعاصي يا أهل البيت ) .
أما على كونها تكوينية فالله يضفي التطهير والتقديس والعصمة ابتداء وبلا سابق فعل ، بل لعلمه بحالهم
وأحوالهم وأنهم يطيعونه متى أراد وشاء ، وأنهم لا يريدون إلا ما أراد سبحانه ، ولا يشاؤون إلا أن
يشاء الله .
فيكون المعنى في قوة قولك ( إنما أذهب الله عنكم الرجس وطهركم يا أهل البيت ) .
قال الشيخ الطبرسي : فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة ، أو الإرادة التي يتبعها
التطهير وإذهاب الرجس .
ولا يجوز الوجه الأول لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها
بأهل البيت : دون سائر الخلق .
ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة في الإرادة المجردة ، فثبت الوجه الثاني .
وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح ، وقد علمنا أن من عدا من ذكرناه من أهل
البيت غير مقطوع على عصمته ، فثبت أن الآية مختصة بهم لبطلان تعلقها بغيرهم : ( مجمع البيان :
8 / 560 مورد الآية ) .
* وللعلامة الطباطبائي كلام مشابه زاد عليه استشهاده للوجه الأول بقوله تعالى : ( 4 ) لله ليجعل ( 5 ) رج ولكن يريد الله ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون .
وقال : ويكون المراد بالإرادة أيضا غير الإرادة التشريعية ، لما عرفت أن الإرادة التشريعية التي هي
توجه التكاليف إلى المكلف لا تلائم المقام أصلا .
والمعنى : أن الله سبحانه تستمر إرادته أن يخصكم بموهبة العصمة بإذهاب الاعتقاد الباطل وأثر العمل
السيئ عنكم أهل البيت : ، وإيراد ما يزيل أثر ذلك عليكم وهي العصمة ( تفسير الميزان : 16 /
310 - 313 مورد الآية ) .
* وقال السيد الحضرمي : قال السيد خاتمة المحققين السيد يحيى ابن عمر : فإذا تقرر لديك ذلك
فإيضاح وجه الاستدلال إن من المعلوم المقطوع به عند أهل السنة : إن إرادته تعالى أزلية وأنها من
صفات الذات القديمة بقدمها الدائمة بدوامها ، وقد علق الله تعالى الحكم بها ، إذ أحكام صفات
الذات المعلقة بها لا يجوز عليها التجوز ، لأنه يلزم منه حدوث تلك الصفة فيلزم من حدوثها
حدوث الذات القديمة وقيام الحوادث بها ، وكل منهما يستحيل قطعا تعالى الله عن ذلك .
حتى قال جمع من المشايخ العارفين : يجب على كل مسلم أن يعتقد أن لا تبديل لما اختص الله تعالى به
أهل البيت بما أنزل الله فيهم ، إذ شهادته لهم بالتطهير وإذهاب الرجس عنهم في الأزل على الوجه
المذكور ( رشفة الصادي : 25 ط . مصر و 47 ط . بيروت - بتحقيقنا - الباب الأول ) .
- وقال في موضع أخر : وإذا كانوا كذلك فكيف يجوز على أحد منهم الخروج عن الملة الذي هو الكفر
الموجب للخلود في النيران ، والطرد عن باب الرحمن ، وفي إرادة الله سبحانه وتعالى تطهيرهم كما
في الآية ، اعدل شاهد على استحالة الكفر على أحد منهم ، لأن الإرادة صفة ذاتية قديمة بقدمه
تعالى ، ومن المعلوم أن أحكام الذات لا تتبدل ( رشفة الصادي : 58 ط . مصر 4 و 10 ط . بيروت -
باب 4 ) . .
أذهب الله عنكم الرجس أهل * البيت في محكم الكتاب افاده
وبتطهير ذاتكم شهد القرآن * حقا فيا لها من شهاده
لا بما قد تحملتموه من الخير * ولكن قضت بذاك الإراده
( رشفة الصادي : 135 ط . مصر و 215 ط . بيروت )
* وقال الشيخ الرفاعي : ومع ذلك يعني وجود الحساد لهم في كل زمان وأوان ، فإن شرف الآل أعز
قدرهم المتعال لا ينقص بحسد حاسد ولا بجحود جاحد ، ما هو إلا فضل هطل من الحضرة
الصمدانية عليهم ، وسبق الإرادة الأزلية إليهم ، فأنى تمنع سحب العناية الإلهية الهاطلة عليهم
كلاب نايحة ، وجدير أن تعشى أنوارهم عيونا صارت إلى مشاهد الضلال طامحة ( رشفة الصادي :
67 ط . مصر 116 ط . بيروت ) .
وقال الإمام أبو العباس أحمد بن عيسى المعروف بزروق المغربي التونسي في كتابه ( تأسيس القواعد
والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول ) :
قاعدة : أحكام الصفات الربانية لا تتبدل وآثارها لا تتنقل ، ومن ثم قال الحاتمي : نعتقد في أهل البيت
إن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن جميع سيئاتهم لا بعمل عملوه ولا بصالح قدموه ، بل بسابق عناية
من الله لهم ، إذ قال الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الآية ، فعلق الحكم بالإرادة
التي لا تتبدل أحكامها فلا يحل لمسلم أن ينتقص ، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله بتطهيره
وذهاب الرجس عنه ( رشفة الصادي : 84 ط . مصر و 141 ط . بيروت - باب السادس ) .
وقال الآلوسي : وقد يستدل على كون الإرادة ههنا بالمعنى المذكور ( التشريعية ) دون المعنى المشهور
الذي يتحقق عنده الفعل ، بأنه صلى الله عليه وسلم قال حين أدخل عليا وفاطمة والحسنين رضي
الله تعالى عنهم تحت الكساء : ( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) فإنه
أي حاجة للدعاء لو كان ذلك مرادا بالإرادة بالمعنى المشهور ، وهل هو إلا دعاء بحصول الحاصل ) .
إلى أن اختار الإرادة التكوينية بقوله : ( . . والإرادة على معناها الحقيقي المستتبع للفعل ) .
( تفسير روح المعاني : 22 / 18 مورد الآية ط . مصر المطبعة المنيرية ) .