ذهب علامة لسيادته ( أو جاء معه الملائكة مقترنين ) معطوف على ألقى ، والمعنى : هلا جاء معه الملائكة متتابعين
متقارنين إن كان صادقا يعينونه على أمره ويشهدون له بالنبوة ، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لابد أن يكونوا على
هيئة الجبابرة ومحفوفين بالملائكة ( فاستخف قومه فأطاعوه ) أي حملهم على خفة الجهل والسفه بقوله وكيده
وغروره ، فأطاعوه فيما أمرهم به ، وقبلوا قوله وكذبوا موسى ( إنهم كانوا قوما فاسقين ) أي غير خارجين عن
طاعة الله . قال ابن الأعرابي : المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه بخفة أحلامهم وقلة عقولهم ، يقال استخفه الفرح :
أي أزعجه ، واستخفه : أي حمله ، ومنه - ولا يستخفنك الذين لا يوقنون - وقيل استخف قومه : أي وجدهم
خفاف العقول وقد استخف بقومه وقهرهم حتى اتبعوه ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) قال المفسرون : أغضبونا ،
والأسف الغضب ، وقيل أشد الغضب ، وقيل السخط ، وقيل المعنى : أغضبوا رسلنا . ثم بين العذاب الذي
وقع به الانتقام فقال ( فأغرقناهم أجمعين ) في البحر ( فجعلناهم سلفا ) أي قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في
استحقاق العذاب . قرأ الجمهور " سلفا " بفتح السين واللام جمع سالف كخدم وخادم ، ورصد وراصد ، وحرس
وحارس ، يقال سلف يسلف : إذا تقدم ومضى . قال الفراء والزجاج : جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون ،
وقرأ حمزة والكسائي " سلفا " بضم السين واللام . قال الفراء : هو جمع سليف ، نحو سرر وسرير . وقال أبو حاتم :
هو جمع سلف نحو خشب وخشب . وقرأ علي وابن مسعود وعلقمة وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس بضم السين
وفتح اللام جمع سلفة وهي الفرقة المتقدمة نحو غرف وغرفة ، كذا قال النضر بن شميل ( ومثلا للآخرين ) أي عبرة
وموعظة لمن يأتي بعدهم ، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال .
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( ولا يكاد يبين ) قال : كانت بموسى لثغة في لسانه . وأخرج
ابن جرير وابن أبي حاتم عنه ( فلما آسفونا ) قال : أسخطونا . وأخرجا عنه أيضا آسفونا قال : أغضبونا ، وفي
قوله ( سلفا ) قال : أهواء مختلفة . وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر أن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج
منه له ، وقرأ ( فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ) " . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن طارق بن
شهاب قال : كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة فقال : تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر ، فلما
آسفونا انتقمنا منهم .
فتح القدير — صفحة 560
مساهمون: الشوكاني
ص٥٦٠