ظلمتم ) أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا ، وقيل إن " إذ " بدل من اليوم لأنه تبين في ذلك اليوم أنهم ظلموا
أنفسهم في الدنيا . قرأ الجمهور ( أنكم في العذاب مشتركون ) بفتح أن على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية :
أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب . قال المفسرون : لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شئ من العذاب لأن
لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه . وقيل إنها للتعليل لنفي النفع : أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم
وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا ، ويقوي هذا المعنى قراءة ابن عامر على اختلاف عليه
فيها بكسر إن . ثم ذكر سبحانه أنها لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال ( أفأنت تسمع الصم أو
تهدي العمى ) الهمزة لإنكار التعجب : أي ليس ذلك فلا يضيق أخبرنا صدرك إن كفروا ، وفيه تسلية لرسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم وإخبار له أنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل ، وقوله ( ومن كان في ضلال مبين )
عطف على العمى : أي إنك لا تهدي من كان كذلك ، ومعنى الآية : أن هؤلاء الكفار بمنزلة الصم الذين
لا يعقلون ما جئت به ، وبمنزلة العمى الذين لا يبصرونه لإفراطهم في الضلالة وتمكنهم من الجهالة ( فإما نذهبن بك )
بالموت قبل أن ينزل العذاب بهم ( فإنا منهم منتقمون ) إما في الدنيا أو في الآخرة ، وقيل المعني : نخرجنك من مكة
( أو نرينك الذي وعدناهم ) من العذاب قبل موتك ( فإنا عليهم مقتدرون ) متى شئنا عذبناهم . قال كثير من
المفسرين : قد أراه الله ذلك يوم بدر . وقال الحسن وقتادة : هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي صلى الله
عليه وآله وسلم من الفتن ، وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتنة شديدة ، فأكرم الله نبيه صلى الله عليه
وآله وسلم وذهب به فلم يره في أمته شيئا من ذلك ، والأول أولى ( فاستمسك بالذي أوحى إليك ) أي من القرآن
وإن كذب به من كذب ( إنك على صراط مستقيم ) أي طريق واضح ، والجملة تعليل لقوله " فاستمسك "
( وإنه لذكر لك ولقومك ) أي وإن القرآن لشرف لك ولقومك من قريش إذ نزل عليك وأنت منهم بلغتك ولغتهم
ومثله قوله - لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم - وقيل بيان لك ولأمتك فيما لكم إليه حاجة . وقيل تذكرة تذكرون
بها أمر الدين وتعملون به ( وسوف تسئلون ) عما جعله الله لكم من الشرف ، كذا قال الزجاج والكلبي وغيرهما .
وقيل يسئلون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن
آلهة يعبدون ) قال الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد : إن جبريل قال ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما
أسرى به . فالمراد سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم ، وبه قال جماعة من السلف . وقال المبرد والزجاج
وجماعة من العلماء : إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا . وبه قال مجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن
ومعنى الآية على القولين : سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل وهل سوغ ذلك لأحد منهم ؟ والمقصود
تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من الشرائع .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشا قالت : قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد
رجلا يأخذه ، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله ، فأتاه وهو في القوم ، فقال أبو بكر : إلا تدعوني ؟ قال :
أدعوك إلى عبادة اللات والعزى . قال أبو بكر : وما اللات ؟ قال : أولاد الله . قال : وما العزى ؟ قال : بنات الله .
قال أبو بكر : فمن أمهم ؟ فسكت طلحة فلم يجبه ، فقال لأصحابه : أجيبوا الرجل ، فسكت القوم ، فقال طلحة :
قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فأنزل الله ( ومن يعش عن ذكر الرحمن ) الآية .
وثبت في صحيح مسلم وغيره أن مع كل إنسان قرينا من الجن . وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله ( فإما نذهبن
فتح القدير — صفحة 557
مساهمون: الشوكاني
ص٥٥٧