تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
ما يدل على تقييد الآية الأولى بالتوبة لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ، بل غاية ما فيها أنه بشرهم بتلك البشارة العظمى ، ثم دعاهم إلى الخير وخوفهم من الشر على أنه يمكن أن يقال : إن هذه الجملة مستأنفة خطابا للكفار الذين لم يسلموا بدليل قوله ( وأسلموا له ) جاء بها لتحذير الكفار وإنذارهم بعد ترغيب المسلمين بالآية الأولى وتبشيرهم ، وهذا وإن كان بعيدا ولكنه يمكن أن يقال به . والمعنى على ما هو الظاهر : أن الله جمع لعباده بين التبشير العظيم ، والأمر بالإنابة إليه والإخلاص له والاستسلام لأمره والخضوع لحكمه ، وقوله ( من قبل أن يأتيكم العذاب ) أي عذاب الدنيا كما يفيده قوله ( من قبل أن يأتيكم ) فليس في ذلك ما يدل على ما زعمه الزاعمون وتمسك به القانطون المقنطون والحمد لله لله رب العالمين ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) يعني القرآن ، يقول : أحلوا حلاله وحرموا حرامه ، والقرآن كله حسن . قال الحسن : التزموا طاعته واجتنبوا معاصيه . وقال السدي : الأحسن ما أمر الله به في كتابه . وقال ابن زيد : يعني المحكمات ، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه . وقيل الناسخ دون المنسوخ ، وقيل العفو دون الانتقام بما يحق فيه الانتقام ، وقيل أحسن ما أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية ( من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) أي من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به ، وقيل أراد أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب . والأول أولى لأن الذي يأتيهم بغتة هو العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب ، لا عذاب الآخرة ولا الموت ، لأنه لم يسند الإتيان إليه ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) قال البصريون : أي حذرا أن تقول . وقال الكوفيون : لئلا تقول . قال المبرد : بادروا خوف أن تقول ، أو حذرا من أن تقول نفس . وقال الزجاج : خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، قيل والمراد بالنفس هنا النفس الكافرة ، وقيل المراد به التكثير كما في قوله - علمت نفس ما أحضرت - قرأ الجمهور " يا حسرتا " بالألف بدلا من الياء المضاف إليها ، والأصل يا حسرتي ، وقرأ ابن كثير " يا حسرتاه " بهاء السكت وقفا ، وقرأ أبو جعفر " يا حسرتي " بالياء على الأصل . والحسرة : الندامة ، ومعنى ( على ما فرطت في جنب الله ) على ما فرطت في طاعة الله ، قال الحسن . وقال الضحاك : على ما فرطت في ذكر الله ، ويعنى به القرآن والعمل به . وقال أبو عبيدة ( في جنب الله ) أي في ثواب الله . وقال الفراء : الجنب القرب والجوار : أي في قرب الله وجواره ، ومنه قوله - والصاحب بالجنب - والمعنى على هذا القول ، على ما فرطت في طلب جنب الله : أي في طلب جواره وقربه وهو الجنة ، وبه قال ابن الأعرابي وقال الزجاج : أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب : أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله ، ومنه قول الشاعر : * للناس جنب والأمير جنب * أي الناس من جانب والأمير من جانب ( وإن كنت لمن الساخرين ) أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا ، ومحل الجملة النصب على الحال . قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ( أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) أي لو أن الله أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي ، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة ، ويتعللون به من العلل الباطلة كما في قوله - سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا - فهي كلمة حق يريدون بها باطلا . ثم ذكر سبحانه مقالة أخرى مما قالوا فقال ( أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة ) أي رجعة إلى الدنيا ( فأكون من المحسنين ) المؤمنين بالله الموحدين له ، المحسنين في أعمالهم ، وانتصاب أكون إما لكونه معطوفا على كرة فإنها مصدر ، وأكون في تأويل المصدر : كما في قول الشاعر :