تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
قوله ( فإذا مس الإنسان ) المراد بالإنسان هنا الجنس باعتبار بعض أفراده أو غالبها ، وقيل المراد به الكفار فقط والأول أولى ، ولا يمنع من حمله على الجنس خصوص سببه ، لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاء بحق النظم القرآني ووفاء بمدلوله ، والمعنى : أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ضر من مرض أو فقر أو غيرهما دعا الله وتضرع إليه في رفعه ودفعه ( ثم إذا خولناه نعمة منا ) أي أعطيناه نعمة كائنة من عندنا ( قال إنما أوتيته على علم ) مني بوجوه المكاسب ، أو على خير عندي ، أو على علم من الله بفضلي . وقال الحسن : على علم علمني الله إياه ، وقيل قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند الله منزلة وجاء بالضمير في أوتيته مذكرا مع كونه راجعا إلى النعمة لأنها بمعنى الإنعام . وقيل إن الضمير عائد إلى ما ، وهي موصولة ، والأول أولى ( بل هي فتنة ) هذا رد لما قاله أي ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت ، بل هو محنة لك واختبار لحالك أتشكر أم تكفر ؟ قال الفراء : أنت الضمير في قوله " هي " لتأنيث الفتنة ، ولو قال بل هو فتنة لجاز . وقال النحاس : بل عطيته فتنة . وقيل تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة ، وتذكير الأول في قوله " أوتيته " باعتبار معناها ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أن ذلك استدراج لهم من الله وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر ( قد قالها الذين من قبلهم ) أي قال هذه الكلمة التي قالوها وهي قولهم : إنما أوتيته على علم الذين من قبلهم كقارون وغيره ، فإن قارون قال : إنما أوتيته على علم عندي ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) يجوز أن تكون ما هذه نافية : أي لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا ، وأن تكون استفهامية : أي أي شئ أغنى عنهم ذلك ( فأصابهم سيئات ما كسبوا ) أي جزاء سيئات كسبهم ، أو أصابهم سيئات هي جزاء كسبهم ، وسمى الجزاء سيئات لوقوعها في مقابلة سيئاتهم ، فيكون ذلك من باب المشاكلة كقوله - وجزاء سيئة سيئة مثلها - ثم أوعد سبحانه الكفار في عصره فقال ( والذين ظلموا من هؤلاء ) الموجودين من الكفار ( سيصيبهم سيئات ما كسبوا ) كما أصاب من قبلهم ، وقد أصابهم في الدنيا ما أصابهم من القحط والقتل والأسر والقهر ( وما هم بمعجزين ) أي بفائتين على الله بل مرجعهم إليه يصنع بهم ما شاء من العقوبة ( أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ) أي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه له ( ويقدر ) أي يقبضه لمن يشاء أن يقبضه ويضيقه عليه . قال مقاتل : وعظهم الله ليعتبروا في توحيده ، وذلك حين مطروا بعد سبع سنين ، فقال : أولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء ويقتر على من يشاء ( إن في ذلك لآيات ) أي في ذلك المذكور لدلالات عظيمة وعلامات جليلة ( لقوم يؤمنون ) وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون بالآيات المتفكرون فيها . ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبه بذكر سعة رحمته وعظيم مغفرته وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشرهم بذلك فقال ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) المراد بالإسراف الإفراط في المعاصي والاستكثار منها . ومعنى لا تقنطوا : لا تيأسوا من رحمة الله من مغفرته . ثم لما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه ويجعل الرجاء مكان القنوط فقال ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) .
فتح القدير — صفحة 469 | الشوكاني