تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف وأنشد الفراء على هذا : فما لك منها غير ذكري وخشية * وتسأل عن ركبانها أين يمموا وإما لكونه جواب التمني المفهوم من قوله ( لو أن لي كرة ) . ثم ذكر سبحانه جوابه على هذه النفس المتمنية المتعللة بغير علة فقال ( بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن ، ومعنى التكذيب بها قوله : إنها ليس من عند الله وتكبر عن الإيمان بها ، وكان مع ذلك التكذيب والاستكبار من الكافرين بالله . وجاء سبحانه بخطاب المذكر في قوله : جاءتك وكذبت واستكبرت وكنت ، لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث . قال المبرد : تقول العرب نفس واحد : أي إنسان واحد ، وبفتح التاء في هذه المواضع قرأ الجمهور . وقرأ الجحدري وأبو حيوة ويحيى بن يعمر بكسرها في جميعها ، وهي قراءة أبي بكر وابنته عائشة وأم سلمة ، ورويت عن ابن كثير ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) أي ترى الذين كذبوا على الله بأن له شركاء وصاحبة وولدا وجوههم مسودة لما أحاط بهم من العذاب ، وشاهدوه من غضب الله ونقمته ، وجملة " وجوههم مسودة " في محل نصب على الحال . قال الأخفش : ترى غير عامل في وجوههم مسودة ، إنما هو مبتدأ وخبر ، والأولى أن ترى إن كانت من الرؤية البصرية ، فجملة " وجوههم مسودة " حالية ، وإن كانت قلبية فهي في محل نصب على أنها المفعول الثاني لترى ، والاستفهام في قوله ( أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ) للتقرير : أي أليس فيها مقام للمتكبرين عن طاعة الله ، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس كما ثبت في الحديث الصحيح ( وينجي الله الذين اتقوا ) أي اتقوا الشرك ومعاصي الله ، والباء في ( بمفازتهم ) متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول : أي ملتبسين بمفازتهم . قرأ الجمهور " بمفازتهم " بالإفراد على أنها مصدر ميمي والفوز : الظفر بالخير والنجاة من الشر . قال المبرد : المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة ، وإن جمع فحسن : كقولك السعادة والسعادات . والمعنى ينجيهم الله بفوزهم : أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بمفازاتهم جمع مفازة ، وجمعها مع كونها مصدرا لاختلاف الأنواع ، وجملة ( لا يمسهم السوء ) في محل نصب على الحال من الموصول ، وكذلك جملة ( ولا هم يحزنون ) في محل نصب على الحال : أي ينفي السوء والحزن عنهم ، ويجوز أن تكون الباء في بمفازتهم للسببية : أي بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم لأنهم رضوا بثواب الله وأمنوا من عقابه . وقد أخرج ابن أبي حاتم قال السيوطي بسند صحيح وابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت ( قل يا عبادي الذين أسرفوا ) الآية في مشركي أهل مكة . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : كنا نقول ليس لمفتتن توبة وما الله بقابل منه شيئا ، عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم ، وكانوا يقولونه لأنفسهم ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أنزل الله فيهم ( يا عبادي الذين أسرفوا ) الآيات ، قال ابن عمر : فكتبتها بيدي ، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعد قال : لما أسلم وحشي أنزل الله - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق - قال وحشي وأصحابه : قد ارتكبنا هذا كله ، فأنزل الله ( قل يا عبادي الذين أسرفوا ) الآية . وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال : " خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رهط من أصحابه وهم يضحكون ويتحدثون فقال : والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ثم انصرف وأبكى القوم ، وأوحى الله إليه : يا محمد لم تقنط عبادي
فتح القدير — صفحة 472 | الشوكاني