تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
سبحانه إلى ما يحبه ، ولا يستطيع ذلك إلا من كان قويا في دينه . وقيل : معناه كلما ذكر ذنبه استغفر منه وتاب عنه ، وهذا داخل تحت المعنى الأول ، يقال آب يئوب : إذا رجع ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ) أي يقدسن الله سبحانه وينزهنه عما لا يليق به . وجملة " يسبحن " في محل نصب على الحال ، وفي هذا بيان ما أعطاه الله من البرهان والمعجزة ، وهو تسبيح الجبال معه . قال مقاتل : كان داود إذا ذكر الله ذكرت الجبال معه ، وكان يفقه تسبيح الجبال . وقال محمد بن إسحاق : أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دوي حسن ، فهذا معنى تسبيح الجبال ، والأول أولى . وقيل معنى " يسبحن " يصلين ، و " معه " متعلق بسخرنا . ومعنى " بالعشي والإشراق " قال الكلبي : غدوة وعشية ، يقال أشرقت الشمس : إذا أضاءت ، وذلك وقت الضحى . وأما شروقها فطلوعها . قال الزجاج : شرقت الشمس : إذا طلعت ، وأشرقت : إذا أضاءت ( والطير محشورة ) معطوف على الجبال ، وانتصاب محشورة على الحال من الطير : أي وسخرنا الطير حال كونها محشورة : أي مجموعة إليه تسبح الله معه . قيل كانت تجمعها إليه الملائكة . وقيل كانت تجمعها الريح ( كل له أواب ) أي كل واحد من داود والجبال والطير رجاع إلى طاعة الله وأمره ، والضمير في له راجع إلى الله عز وجل . وقيل الضمير لداود : أي لأجل تسبيح داود مسبح ، فوضع أواب موضع مسبح ، والأول أولى . وقد قدمنا أن الأواب : الكثير الرجوع إلى الله سبحانه ( وشددنا ملكه ) قويناه وثبتناه بالنصر في المواطن على أعدائه وإلقاء الرعب منه في قلوبهم . وقيل بكثرة الجنود ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) المراد بالحكمة النبوة والمعرفة بكل ما يحكم به . وقال مقاتل : الفهم والعلم . وقال مجاهد : العدل . وقال أبو العالية : العلم بكتاب الله . وقال شريح : السنة . والمراد بفصل الخطاب الفصل في القضاء وبه قال الحسن والكلبي ومقاتل . وحكى الواحدي عن الأكثر أن فصل الخطاب الشهود والإيمان لأنها إنما تنقطع الخصومة بهذا . وقيل هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) لما مدحه الله سبحانه بما تقدم ذكره أردف ذلك بذكر هذه القصة الواقعة له لما فيها من الأخبار العجيبة . قال مقاتل : بعث الله إلى داود ملكين ، جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة ، فأتياه وهو في محرابه . قال النحاس : ولا خلاف بين أهل التفسير أن المراد بالخصم ها هنا الملكان ، والخصم مصدر يقع على الواحد والاثنين والجماعة . ومعنى ( تسوروا المحراب ) أتوه من أعلى سوره ونزلوا إليه ، والسور : الحائط المرتفع ، وجاء بلفظ الجمع في تسوروا مع كونهم اثنين نظرا إلى ما يحتمله لفظ الخصم من الجمع . ومنه قول الشاعر : وخصم غضاب قد نفضت لحاهم * كنفض البراذين العراب المخاليا والمحراب : الغرفة ، لأنهم تسوروا عليه وهو فيها ، كذا قال يحيى بن سلام . وقال أبو عبيدة : إنه صدر المجلس ومنه محراب المسجد . وقيل إنهما كانا إنسيين ولم يكونا ملكين ، والعامل في " إذ " في قوله ( إذ دخلوا عليه ) النبأ : أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم ، وبهذا قال ابن عطية ومكي وأبو البقاء . وقيل العامل فيه أتاك . وقيل معمول للخصم . وقيل معمول لمحذوف : أي وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم . وقيل هو معمول لتسوروا . وقيل هو بدل مما قبله . وقال الفراء إن أحد الظرفين المذكورين بمعنى لما ( ففزع منهم ) وذلك لأنهما أتياه ليلا في غير وقت دخول الخصوم ودخلوا عليه بغير إذنه ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس . قال ابن الأعرابي : وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة ، وجملة ( قالوا لا تخف ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا قالوا لداود لما فزع منهم وارتفاع ( خصمان ) على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي نحن خصمان ، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع ، وهنا بلفظ التثنية لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد والمثنى والمجموع ، فالكل