تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ) أي ما ينتظرون إلا صيحة ، وهي النفخة الكائنة عند قيام الساعة . وقيل هي النفخة الثانية ، وعلى الأول المراد من عاصر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار ، وعلى الثاني المراد كفار الأمم المذكورة : أي ليس بينهم وبين حلول ما أعد الله لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية . وقيل المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم في الدنيا كما قال الشاعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان وجملة ( ما لها من فواق ) في محل نصب صفة لصيحة . قال الزجاج : فواق وفواق بفتح الفاء وضمها أي ما لها من رجوع ، والفواق ما بين حلبتي الناقة ، وهو مشتق من الرجوع أيضا ، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين ، وأفاق من مرضه : أي رجع إلى الصحة ، ولهذا قال مجاهد ومقاتل : إن الفواق الرجوع . وقال قتادة مالها من مثنوية . وقال السدي : مالها من إفاقة ، وقيل مالها من مرد . قال الجوهري : مالها من نظرة وراحة وإفاقة ، ومعنى الآية أن تلك الصيحة هي ميعاد عذابهم ، فإذا جاءت لم ترجع ولا ترد عنهم ولا تصرف منهم ولا تتوقف مقدار فواق ناقة ، وهي ما بين حلبتي الحالب لها ، ومنه قول الأعشى : حتى إذا فيقة في ضرعها اجتمعت * جاءت لترضع شق النفس لو رضعا والفيقة اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين ، وجمعها فيق وأفواق . قرأ حمزة والكسائي ما لها من فواق بضم الفاء وقرأ الباقون بفتحها . قال الفراء وأبو عبيدة : الفواق بفتح الفاء الراحة : أي لا يفيقون فيها كما يفيق المريض والمغشي عليه ، وبالضم الانتظار ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) لما سمعوا ما توعدهم الله به من العذاب قالوا هذه المقالة استهزاء وسخرية ، والقط في اللغة النصيب ، من القط ، وهو القطع ، وبهذا قال قتادة وسعيد بن جبير قال الفراء : القط في كلام العرب الحظ والنصيب ، ومنه قيل للصك قط . قال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ، والجمع القطوط ، ومنه قول الأعشى : ولا الملك النعمان يوم لقيته * بغبطته يعطي القطوط ويأفق ومعنى يأفق يصلح ، ومعنى الآية سؤالهم لربهم أن يعجل لهم نصيبهم وحظهم من العذاب ، وهو مثل قوله - ويستعجلونك بالعذاب - . وقال السدي : سألوا ربهم أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به وقال إسماعيل بن أبي خالد : المعنى عجل لنا أرزاقنا ، وبه قال سعيد بن جبير والسدي . وقال أبو العالية والكلبي ومقاتل : لما نزل - وأما من أوتي كتابه بيمينه ، وأما من أوتى كتابه بشماله - قالت قريش : زعمت يا محمد أنا نؤتي كتابنا بشمالنا فعجل لنا قطنا قبل يوم الحساب . ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يصبر على ما يسمعه من أقوالهم فقال ( اصبر على ما يقولون ) من أقوالهم الباطلة التي هذا القول المحكي عنهم من جملتها ، وهذه الآية منسوخة بآية السيف ( واذكر عبدنا داود ذا الأيد ) لما فرغ من ذكر قرون الضلالة ، وأمم الكفر والتكذيب ، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على ما يسمعه زاد في تسليته وتأسيته بذكر قصة داود وما بعدها . ومعنى ( أذكر عبدنا داود ) أذكر قصته فإنك تجد فيها ما تتسلى به ، والأيد : القوة ومنه رجل أيد : أي قوي ، وتأيد الشئ : تقوي والمراد ما كان فيه عليه السلام من القوة على العبادة . قال الزجاج : وكانت قوة داود على العبادة أتم قوة ، ومن قوته ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصوم يوما يفطر يوما ، وكان يصلي نصف الليل وكان لا يفر إذا لاقى العدو ، وجملة ( إنه أواب ) تعليل لكونه ذا الأيد ، والأواب : الرجاع عن كل ما يكرهه الله