تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وقال السدي : ذهب إليهم ، وقال أبو مالك : جاء إليهم ، وقال الكلبي : أقبل عليهم ، والمعنى متقارب ( فقال ألا تأكلون ) أي فقال إبراهيم للأصنام التي راغ إليها استهزاء وسخرية : ألا تأكلون من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها ، وخاطبها كما يخاطب من يعقل ، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة ، وكذا قوله ( مالكم لا تنطقون ) فإنه خاطبهم خطاب من يعقل ، والاستفهام للتهكم بهم لأنه قد علم أنها جمادات لا تنطق . قيل إنهم تركوا عند أصنامهم طعامهم للتبرك بها وليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم . وقيل تركوه للسدنة ، وقيل إن إبراهيم هو الذي قرب إليها الطعام مستهزئا بها ( فراغ عليهم ضربا باليمين ) أي فمال عليهم يضربهم ضربا باليمين فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف ، أو هو مصدر لراغ ، لأنهم بمعنى ضرب . قال الواحدي : قال المفسرون : يعني بيده اليمنى يضربهم بها . وقال السدي : بالقوة والقدرة لأن اليمين أقوى اليدين . قال الفراء وثعلب ضربا بالقوة ، واليمين القوة . وقال الضحاك والربيع بن أنس : المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال - وتالله لأكيدن أصنامكم - وقيل المراد باليمين هنا العدل كما في قوله - ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين - أي بالعدل ، واليمين كناية عن العدل كما أن الشمال كناية عن الجور ، وأول هذه الأقوال أولا ها ( فأقبلوا إليه يزفون ) أي أقبل إليه عبدة تلك الأصنام يسرعون لما علموا بما صنعه بها ، ويزفون في محل نصب على الحال من فاعل أقبلوا . قرأ الجمهور " يزفون " بفتح الياء من زف الظليم يزف إذا عدا بسرعة ، وقرأ حمزة بضم الياء من أزف يزف : أي دخل في الزفيف ، أو يحملون غيرهم على الزفيف . قال الأصمعي : أزففت الإبل : أي حملتها على أن تزف ، وقيل هما لغتان ، يقال زف القوم وأزفوا ، وزفت العروس وأزففتها ، حكى ذلك عن الخليل . قال النحاس : زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة : يعني يزفون بضم الياء ، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء ، وشبهها بقولهم أطردت الرحل : أي صيرته إلى ذلك ، وقال المبرد : الزفيف الإسراع . وقال الزجاج : الزفيف أول عدو النعام . وقال قتادة والسدي : معنى يزفون يمشون . وقال الضحاك : يسعون . وقال يحيى بن سلام : يرعدون غضبا . وقال مجاهد : يختالون : أي يمشون مشي الخيلاء ، وقيل يتسللون تسللا بين المشي والعدو ، والأولى تفسير يزفون بيسرعون ، وقرئ " يزفون " على البناء للمفعول ، وقرئ " يزفون " كيرمون . وحكى الثعلبي عن الحسن ومجاهد وابن السميفع أنهم قرأوا " يرفون " بالراء المهملة ، وهي ركض بين المشي والعدو ( قال أتعبدون ما تنحتون ) لما أنكروا على إبراهيم ما فعله بالأصنام ، ذكر لهم الدليل الدال على فساد عبادتها فقال مبكتا لهم ومنكرا عليهم ( أتعبدون ما تنحتون ) أي أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها ، والنحت النجر والبري ، نحته ينحته بالكسر نحتا : أي براه ، والنحاتة البراية ، وجملة ( والله خلقكم وما تعملون ) في محل نصب على الحال من فاعل تعبدون ، و " ما " في " وما تعملون " موصولة : أي وخلق الذي تصنعونه على العموم ويدخل فيها الأصنام التي ينحتونها دخولا أوليا ، ويكون معنى العمل هنا التصوير والنحت ونحوهما ، ويجوز أن تكون مصدرية : أي خلقكم وخلق عملكم ، ويجوز أن تكون استفهامية ، ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقريع : أي وأي شئ تعملون ، ويجوز أن تكون نافية : أي إن العمل في الحقيقة ليس لكم فأنتم لا تعملون شيئا ، وقد طول صاحب الكشاف الكلام في رد قول من قال إنها مصدرية ، ولكن بما لا طائل تحته ، وجعلها موصولة أولى بالمقام وأوفق بسياق الكلام ، وجملة ( قالوا بنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كالجملة التي قبلها ، قالوا هذه المقالة لما عجزوا عن جواب ما أورده عليهم من الحجة الواضحة ، فتشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له حائطا من حجارة ويملؤوه حطبا ويضرموه ، ثم يلقوه فيه ، والجحيم النار الشديدة الاتقاد . قال الزجاج : وكل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، واللام في الجحيم عوض عن المضاف إليه : أي في جحيم ذلك البنيان ، ثم لما ألقوه فيها نجاه الله منها وجعلها عليه بردا وسلاما ، وهو معنى قوله ( فأرادوا به كيدا فجعلناهم