تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
سواء كان خافيا أو باديا سرا أو جهرا مظهرا أو مضمرا . وتقديم السر على الجهر للمبالغة في شمول علمه لجميع المعلومات ، وجملة ( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ) مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله ، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها كما كانت ، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس الإنسان كما في قوله - أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا - ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين كما قيل : إنه عبد الله بن أبي ، وأنه قيل له ذلك لما أنكر البعث . وقال الحسن : هو أمية بن خلف . وقال سعيد بن جبير : هو العاص بن وائل السهمي . وقال قتادة ومجاهد : هو أبي بن خلف الجمحي ، فإن أحد هؤلاء وإن كان سببا للنزول فمعنى الآية خطاب الإنسان من حيث هو ، لا إنسان معين ، ويدخل من كان سببا للنزول تحت جنس الإنسان دخولا أوليا ، والنطفة هي اليسير من الماء ، وقد تقدم تحقيق معناها ( فإذا هو خصيم مبين ) هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام ، وإذا هي الفجائية : أي ألم ير الإنسان أنا خلقناه من أضعف الأشياء ، ففجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج الله وبراهينه ، والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال ، ومعنى المبين : المظهر لما يقوله الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه ، وهكذا جملة ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ) معطوفة على الجملة المنفية داخله في حيز الإنكار المفهوم من الاستفهام ، فهي تكميل للتعجيب من حال الإنسان وبيان جهله بالحقائق وإهماله للتفكر في نفسه فضلا عن التفكر في سائر مخلوقات الله ، ويجوز أن تكون جملة ( فإذا هو خصيم ) معطوفة على خلقنا ، وهذه معطوفة عليها : أي أورد في شأننا قصة غريبة كالمثل : وهي إنكاره أحيانا للعظام ، ونسي خلقه : أي خلقنا إياه . وهذه الجملة معطوفة على ضرب ، أو في محل نصب على الحال بتقدير قد ، وجملة ( قال من يحيي العظام وهي رميم ) استئناف جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل ما هذا المثل الذي ضربه ؟ فقيل قال : من يحيي العظام وهي رميم ، وهذا الاستفهام للإنكار لأنه قاس قدرة الله على قدرة العبد ، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر ، يقال رم العظم يرم رما إذا بلى فهو رميم ورمام وإنما قال رميم ولم يقل رميمة مع كونه خبرا للمؤنث لأنه اسم لما بلى من العظام غير صفة كالرمة والرفات . وقيل لكونه معدولا عن فاعلة وكل معدول عن وجهه يكون مصروفا عن إعرابه كما في قوله - وما كانت أمك بغيا - لأنه مصروف عن باغية ، كذا قال البغوي والقرطبي وقال بالأول صاحب الكشاف . والأولى أن يقال إنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث كما قيل في جريح وصبور . ثم أجاب سبحانه عن الضارب لهذا المثل فقال ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) أي ابتدأها وخلقها أول مرة من غير شئ ، ومن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية ( وهو بكل شئ عليم ) لا يخفى عليه خافية ولا يخرج عن علمه خارج كائنا من كان . وقد استدل أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي بهذه الآية على أن العظام مما تحله الحياة . وقال الشافعي : لا تحله الحياة وأن المراد بقوله " من يحيي العظام " من يحيي أصحاب العظام على تقدير مضاف محذوف ، ورد بأن هذا التقدير خلاف الظاهر ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ) هذا رجوع منه سبحانه إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم ، فنبه سبحانه على وحدانيته ودل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب ، وذلك أن الشجر المعروف بالمرخ والشجر المعروف بالعفار إذا قطع منهما عودان وضرب أحدهما على الآخر انقدحت النار وهما أخضران . قيل المرخ هو الذكر والعفار هو الأنثى ، ويسمى الأول الزند والثاني الزندة ، وقال الأخضر ولم يقل الخضراء اعتبارا باللفظ . وقرئ " الخضر " اعتبارا