لما سمعها . قال النحاس : وهي بعيدة في العربية من ثلاثة جهات : الجهة الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد
ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الدال ولا من أخواتهن . الجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى .
الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين ، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في
كلمة واحدة . وقال الواحدي : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان .
وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك ، والواو للقسم ، والمقسم به الملائكة : الصافات ، والزاجرات ، والتاليات .
والمراد بالصافات : التي تصف في السماء من الملائكة كصفوف الخلق في الدنيا ، قاله ابن مسعود وابن عباس
وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة . وقيل إنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد . وقال
الحسن : صفا كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم . وقيل المراد بالصافات هنا الطير كما في قوله - أو لم يروا إلى الطير
فوقهم صافات - . والأول أولى ، والصف : ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة . وقيل الصافات جماعة
الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ، ذكره القشيري . والمراد ب ( الزاجرات ) الفاعلات للزجر من
الملائكة ، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي ، وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح . وقال
قتادة : المراد بالزاجرات الزواجر من القرآن ، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح . والأول أولى . وانتصاب صفا
و ( زجرا ) على المصدرية لتأكيد ما قبلهما . وقيل المراد بالزاجرات العلماء ، لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي
والزجر في الأصل : الدفع بقوة ، وهو هنا قوة التصويت ، ومنه قول الشاعر :
زجر أبي عروة السباع إذا * أشفق أن يختلطن بالغنم
ومنه زجرت الإبل والغنم : إذا أفزعتها بصوتك ، والمراد ب ( التاليات ذكرا ) الملائكة التي تتلو القرآن كما قال
ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي . وقيل المراد جبريل وحده ، فذكر بلفظ الجمع تعظيما له
مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة . وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله وكتبه . وقيل المراد آيات القرآن ،
ووصفها بالتلاوة وإن كانت متلوة كما في قوله - إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل - وقيل لأن بعضها يتلو
بعضا ويتبعه . وذكر الماوردي أن التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم ، وانتصاب ذكرا على أنه مفعول به
ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله من قوله " صفا ، وزجرا " قيل وهذه الفاء في قوله " فالزاجرات ،
فالتاليات " إما لترتيب الصفات أنفسها في الوجود أو لترتيب موصوفاتها في الفضل ، وفي الكل نظر ، وقوله ( إن
إلهكم لواحد ) جواب القسم : أي أقسم الله بهذه الأقسام إنه واحد ليس له شريك . وأجاز الكسائي فتح إن الواقعة
في جواب القسم ( رب السماوات والأرض ) يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون بدلا من " لواحد " وأن يكون
خبر مبتدأ محذوف . قال ابن الأنباري : الوقف على لواحد وقف حسن ، ثم يبتدئ رب السماوات والأرض على
معنى هو رب السماوات والأرض . قال النحاس : ويجوز أن يكون بدلا من لواحد . والمعنى في الآية : أن وجود
هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته ، وأنه رب ذلك كله : أي
خالقه ومالكه . والمراد بما بينهما : ما بين السماوات والأرض من المخلوقات . والمراد ب ( المشارق ) مشارق الشمس .
قيل إن الله سبحانه خلق للشمس كل يوم مشرقا ومغربا بعدد أيام السنة ، تطلع كل يوم من واحد منها وتغرب من
واحد ، كذا قال ابن الأنباري وابن عبد البر . وأما قوله في سورة الرحمن - رب المشرقين ورب المغربين - فالمراد
بالمشرقين : أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال ، وأقصر يوم في الأيام القصار ، وكذلك في المغربين .
وأما ذكر المشرق والمغرب بالإفراد فالمراد به الجهة التي تشرق منها الشمس ، والجهة التي تغرب منها ، ولعله قد
فتح القدير — صفحة 386
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٦