تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
لما سمعها . قال النحاس : وهي بعيدة في العربية من ثلاثة جهات : الجهة الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الدال ولا من أخواتهن . الجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى . الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين ، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة . وقال الواحدي : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان . وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك ، والواو للقسم ، والمقسم به الملائكة : الصافات ، والزاجرات ، والتاليات . والمراد بالصافات : التي تصف في السماء من الملائكة كصفوف الخلق في الدنيا ، قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة . وقيل إنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد . وقال الحسن : صفا كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم . وقيل المراد بالصافات هنا الطير كما في قوله - أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات - . والأول أولى ، والصف : ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة . وقيل الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ، ذكره القشيري . والمراد ب ( الزاجرات ) الفاعلات للزجر من الملائكة ، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي ، وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح . وقال قتادة : المراد بالزاجرات الزواجر من القرآن ، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح . والأول أولى . وانتصاب صفا و ( زجرا ) على المصدرية لتأكيد ما قبلهما . وقيل المراد بالزاجرات العلماء ، لأنهم هم الذين يزجرون أهل المعاصي والزجر في الأصل : الدفع بقوة ، وهو هنا قوة التصويت ، ومنه قول الشاعر : زجر أبي عروة السباع إذا * أشفق أن يختلطن بالغنم ومنه زجرت الإبل والغنم : إذا أفزعتها بصوتك ، والمراد ب ( التاليات ذكرا ) الملائكة التي تتلو القرآن كما قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي . وقيل المراد جبريل وحده ، فذكر بلفظ الجمع تعظيما له مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة . وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله وكتبه . وقيل المراد آيات القرآن ، ووصفها بالتلاوة وإن كانت متلوة كما في قوله - إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل - وقيل لأن بعضها يتلو بعضا ويتبعه . وذكر الماوردي أن التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم ، وانتصاب ذكرا على أنه مفعول به ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله من قوله " صفا ، وزجرا " قيل وهذه الفاء في قوله " فالزاجرات ، فالتاليات " إما لترتيب الصفات أنفسها في الوجود أو لترتيب موصوفاتها في الفضل ، وفي الكل نظر ، وقوله ( إن إلهكم لواحد ) جواب القسم : أي أقسم الله بهذه الأقسام إنه واحد ليس له شريك . وأجاز الكسائي فتح إن الواقعة في جواب القسم ( رب السماوات والأرض ) يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون بدلا من " لواحد " وأن يكون خبر مبتدأ محذوف . قال ابن الأنباري : الوقف على لواحد وقف حسن ، ثم يبتدئ رب السماوات والأرض على معنى هو رب السماوات والأرض . قال النحاس : ويجوز أن يكون بدلا من لواحد . والمعنى في الآية : أن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته ، وأنه رب ذلك كله : أي خالقه ومالكه . والمراد بما بينهما : ما بين السماوات والأرض من المخلوقات . والمراد ب ( المشارق ) مشارق الشمس . قيل إن الله سبحانه خلق للشمس كل يوم مشرقا ومغربا بعدد أيام السنة ، تطلع كل يوم من واحد منها وتغرب من واحد ، كذا قال ابن الأنباري وابن عبد البر . وأما قوله في سورة الرحمن - رب المشرقين ورب المغربين - فالمراد بالمشرقين : أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال ، وأقصر يوم في الأيام القصار ، وكذلك في المغربين . وأما ذكر المشرق والمغرب بالإفراد فالمراد به الجهة التي تشرق منها الشمس ، والجهة التي تغرب منها ، ولعله قد