صيغة الماضي . وقرأ الحسن وحميد " رسلا " بسكون السين ، وهي لغة تميم ( أولى أجنحة ) صفة لرسلا ، والأجنحة
جمع جناح ( مثنى وثلاث ورباع ) صفة لأجنحة ، وقد تقدم الكلام في مثنى وثلاث ورباع في النساء . قال
قتادة : بعضهم له جناحان ، وبعضهم ثلاثة ، وبعضهم أربعة ينزلون بها من السماء إلى الأرض ويعرجون بها من
الأرض إلى السماء . قال يحيى بن سلام : يرسلهم الله إلى الأنبياء . وقال السدي : إلى العباد بنعمه أو نقمه ، وجملة
( يزيد في الخلق ما يشاء ) مستأنفة مقررة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة ، والمعنى : أنه يزيد في خلق الملائكة
ما يشاء ، وهو قول أكثر المفسرين ، واختاره الفراء والزجاج . وقيل إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة
فقال الزهري وابن جريج : إنها حسن الصوت . وقال قتادة : الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في
الفم ، وقيل الوجه الحسن ، وقيل الخط الحسن ، وقيل الشعر الجعد ، وقيل العقل والتمييز ، وقيل العلوم والصنائع
ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص بل يتناول كل زيادة ، وجملة ( إن الله على كل شئ قدير ) تعليل لما قبلها
من أنه يزيد في الخلق ما يشاء ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) أي ما يأتيهم الله به من مطر ورزق لا يقدر
أحد أن يمسكه ( وما يمسك ) من ذلك لا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه ، وقيل المعنى : إن الرسل بعثوا رحمة
للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله ، وقيل هو الدعاء ، وقيل التوبة ، وقيل التوفيق والهداية . ولا وجه لهذا
التخصيص بل المعنى : كل ما يفتحه الله للناس من خزائن رحمته فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه ، وهكذا
الإمساك يتناول كل شئ يمنعه الله من نعمه ، فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي سواه ولا منعم
غيره . ثم أمر سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعد ولا تحصى - وإن تعدوا نعمة الله
لا تحصوها - ومعنى هذا الأمر لهم بالذكر هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها وطلب المزيد منها ( هل من خالق غير
الله ) من زائدة وخالق مبتدأ وغير الله صفة له . قال الزجاج : ورفع غير على معنى هل خالق غير الله لأن " من "
زيادة مؤكدة ، ومن خفض غير جعلها صفة على اللفظ . قرأ الجمهور برفع " غير " وقرأ حمزة والكسائي بخفضها ،
وقرأ الفضل بن إبراهيم بنصبها على الاستثناء ، وجملة ( يرزقكم من السماء والأرض ) خبر المبتدأ ، أو جملة مستأنفة
أو صفة أخرى لخالق ، وخبره محذوف ، والرزق من السماء بالمطر ، ومن الأرض بالنبات وغير ذلك ، وجملة
( لا إله إلا هو ) مستأنفة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام ( فأنى تؤفكون ) من الإفك بالفتح وهو الصرف ،
يقال ما أفكك عن كذا : أي ما صرفك : أي فكيف تصرفون ، وقيل هو مأخوذ من الإفك بالكسر ، وهو
الكذب لأنه مصروف عن الصدق . قال الزجاج : أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله والبعث وأنتم
مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم . ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( وإن يكذبوك فقد كذبت
رسل من قبلك ) ليتأسى بمن قبله من الأنبياء ويتسلى عن تكذيب كفار العرب له ( وإلى الله ترجع الأمور ) لا إلى
غيره فيجازي كلا بما يستحقه . قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن محيض وحميد والأعمش
ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف " ترجع " بفتح الفوقية على البناء للفاعل ، وقرأ الباقون بضمها على البناء
للمفعول ( يا أيها الناس إن وعد الله حق ) أي وعده بالبعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار ، كما أشير
إليه بقوله " وإلى الله ترجع الأمور " فلا تغرنكم الحياة الدنيا بزخرفها ونعيمها . قال سعيد بن جبير : غرور الحياة
الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول - يا ليتني قدمت لحياتي - ( ولا يغرنكم بالله
الغرور ) قرأ الجمهور بفتح الغين : أي المبالغ في الغرور ، وهو الشيطان . قال ابن السكيت وأبو حاتم : الغرور
الشيطان ويجوز أن يكون مصدرا ، واستبعده الزجاج ، لأن غرر به متعدي ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو
فتح القدير — صفحة 338
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٨