تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
التناوش ) التناوش التناول ، وهو تفاعل من التناوش الذي هو التناول ، والمعنى : كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد ، يعني في الآخرة وقد تركوه في الدنيا ، وهو معنى ( من مكان بعيد ) وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم . قال ابن السكيت : يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه أو بلحيته ناشه ينوشه نوشا ، وأنشد : فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أحواز الفلا أي تناول ماء الحوض من فوق ، ومنه المناوشة في القتال ، وقيل التناوش الرجعة : أي وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا ، ومنه قول الشاعر : تمنى أن تئوب إلى مي * وليس إلى تناوشها سبيل وجملة ( وقد كفروا به من قبل ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به الآن من قبل هذا الوقت ، وذلك حال كونهم في الدنيا . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي والأعمش " التناؤش " بالهمز ، وقرأ الباقون بالواو ، واستبعد أبو عبيد والنحاس القراءة الأولى ، ولا وجه للاستبعاد ، فقد ثبت ذلك في لغة العرب وأشعارها ، ومنه قول الشاعر : قعدت زمانا عن طلابك للعلا * وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير أي وجئت أخيرا . قال الفراء : الهمز وترك الهمز متقارب ( ويقذفون بالغيب ) أي يرمون بالظن فيقولون : لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار ( من مكان بعيد ) أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل . وقيل المعنى : يقولون في القرآن أقوال باطلة : إنه سحر وشعر وأساطير الأولين . وقيل يقولون في محمد إنه ساحر شاعر كاهن مجنون . وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي عمرو " يقذفون " مبنيا للمفعول : أي يرجمون بما يسوؤهم من جراء أعمالهم من حيث لا يحتسبون ، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه ، والجملة إما معطوفة على : وقد كفروا به على أنها حكاية للحال الماضية واستحضار لصورتها ، أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) من النجاة من العذاب ومنعوا من ذلك ، وقيل حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم ، أو حيل بينهم وبين ما يشتهونه من الرجوع إلى الدنيا ( كما فعل بأشياعهم من قبل ) أي بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية ، والأشياع جمع شيع ، وشيع جمع شيعة ، وجملة ( إنهم كانوا في شك مريب ) تعليل لما قبلها : أي في شك موقع في الريبة أو ذي ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار ، أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من الدين ، يقال أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب ، وقيل هو من الريب الذي هو الشك ، فهو كما يقال عجب عجيب وشعر شاعر . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( فلا فوت ) قال : فلا نجاة . وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ) قال : هو جيش السفياني ، قيل من أين أخذوا ؟ قال : من تحت أقدامهم . وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة ، وخارج الصحيح من حديث أم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود ، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية ، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة ، وقال في آخرها : فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ) الآية . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( وأنى لهم التناوش ) قال : كيف لهم الرد ( من مكان بعيد ) قال : يسألون الرد ، وليس بحين رد . وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال : أتيت ابن عباس قلت : ما التناوش ؟ قال : تناول الشئ وليس بحين ذاك .