التناوش ) التناوش التناول ، وهو تفاعل من التناوش الذي هو التناول ، والمعنى : كيف لهم أن يتناولوا الإيمان
من بعد ، يعني في الآخرة وقد تركوه في الدنيا ، وهو معنى ( من مكان بعيد ) وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص
بعد ما فات عنهم . قال ابن السكيت : يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه أو بلحيته ناشه ينوشه نوشا ، وأنشد :
فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أحواز الفلا
أي تناول ماء الحوض من فوق ، ومنه المناوشة في القتال ، وقيل التناوش الرجعة : أي وأنى لهم الرجعة إلى
الدنيا ليؤمنوا ، ومنه قول الشاعر :
تمنى أن تئوب إلى مي * وليس إلى تناوشها سبيل
وجملة ( وقد كفروا به من قبل ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن قد كفروا بما آمنوا به الآن من
قبل هذا الوقت ، وذلك حال كونهم في الدنيا . قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي والأعمش " التناؤش " بالهمز ، وقرأ
الباقون بالواو ، واستبعد أبو عبيد والنحاس القراءة الأولى ، ولا وجه للاستبعاد ، فقد ثبت ذلك في لغة العرب
وأشعارها ، ومنه قول الشاعر :
قعدت زمانا عن طلابك للعلا * وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخير
أي وجئت أخيرا . قال الفراء : الهمز وترك الهمز متقارب ( ويقذفون بالغيب ) أي يرمون بالظن فيقولون :
لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار ( من مكان بعيد ) أي من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل . وقيل المعنى :
يقولون في القرآن أقوال باطلة : إنه سحر وشعر وأساطير الأولين . وقيل يقولون في محمد إنه ساحر شاعر كاهن
مجنون . وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي عمرو " يقذفون " مبنيا للمفعول : أي يرجمون بما يسوؤهم من جراء
أعمالهم من حيث لا يحتسبون ، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه ،
والجملة إما معطوفة على : وقد كفروا به على أنها حكاية للحال الماضية واستحضار لصورتها ، أو مستأنفة لبيان
تمثيل حالهم ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) من النجاة من العذاب ومنعوا من ذلك ، وقيل حيل بينهم وبين
ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم ، أو حيل بينهم وبين ما يشتهونه من الرجوع إلى الدنيا ( كما فعل بأشياعهم
من قبل ) أي بأمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية ، والأشياع جمع شيع ، وشيع جمع شيعة ، وجملة ( إنهم
كانوا في شك مريب ) تعليل لما قبلها : أي في شك موقع في الريبة أو ذي ريبة من أمر الرسل والبعث والجنة والنار ،
أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من الدين ، يقال أراب الرجل إذا صار ذا ريبة فهو مريب ، وقيل هو من
الريب الذي هو الشك ، فهو كما يقال عجب عجيب وشعر شاعر .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( فلا فوت ) قال : فلا نجاة . وأخرج ابن أبي حاتم
عنه في قوله ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب ) قال : هو جيش السفياني ، قيل من أين
أخذوا ؟ قال : من تحت أقدامهم . وقد ثبت في الصحيح أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة وعائشة ،
وخارج الصحيح من حديث أم سلمة وصفية وأبي هريرة وابن مسعود ، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول
هذه الآية ، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة ، وقال في آخرها :
فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ) الآية . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن
جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله ( وأنى لهم التناوش ) قال : كيف لهم الرد
( من مكان بعيد ) قال : يسألون الرد ، وليس بحين رد . وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال : أتيت ابن عباس
قلت : ما التناوش ؟ قال : تناول الشئ وليس بحين ذاك .
فتح القدير — صفحة 336
مساهمون: الشوكاني
ص٣٣٦