فقالت الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الجاهلية الأولى ما بين
عيسى ومحمد . وقد قدمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ) . وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( واذكرن
ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) قال : القرآن والسنة يمتن بذلك عليهن . وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة
عن سهل في قوله ( واذكرن ما يتلى في بيوتكن ) الآية قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في
بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار .
قوله ( إن المسلمين ) بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل ، كما
ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال : " هو أن تشهد أن
لا إله إلا الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان . ثم عطف على المسلمين
( المسلمات ) تشريفا لهن بالذكر " وهكذا فيما بعد وإن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك ،
والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك ، ثم ذكر ( المؤمنين
والمؤمنات ) وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والقانت العابد المطيع ، وكذا القانتة ، وقيل الدوامين على العبادة والطاعة ،
والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه ، والصابر والصابرة هما من يصبر
عن الشهوات وعلى مشاق التكليف ، والخاشع والخاشعة هما المتواضعان لله الخائفان منه الخاضعان في عباداتهم لله ،
والمتصدق والمتصدقة هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه . وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل ،
وكذلك الصائم والصائمة ، قيل ذلك مختص بالفرض ، وقيل هو أعم ، والحافظ والحافظة لفرجيهما عن الحرام
بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال ، والذاكر والذاكرة هما من يذكر الله على أحواله ، وفي ذكر الكثرة دليل
على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان ، واكتفى في الحافظات بما تقدم في الحافظين من
ذكر الفروج والتقدير : والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن ، وكذا في الذاكرات والتقدير : والذاكرين
الله كثيرا والذاكرات الله كثيرا ، والخبر لجميع ما تقدم هو قوله ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي مغفرة
لذنوبهم التي أذنبوها وأجرا عظيما على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر
والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر ، ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ ولا شئ
أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد ، اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا ( وما كان لمؤمن
فتح القدير — صفحة 282
مساهمون: الشوكاني
ص٢٨٢