قوله ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ) أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وهم بنو قريظة ، فإنهم عاونوا الأحزاب ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وصاروا يدا واحدة مع الأحزاب . والصياصي جمع صيصية : وهي الحصون ، وكل شئ يتحصن به يقال له
صيصية ، ومنه صيصية الديك ، وهي الشوكة التي في رجله ، وصياصي البقر قرونها لأنها تمتنع بها ، ويقال
لشوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة صيصية ، ومنه قول دريد بن الصمة :
فجئت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد
ومن إطلاقها على الحصون قول الشاعر :
فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا
( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي
معنى قوله ( فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ) فالفريق الأول هم الرجال ، والفريق الثاني هم النساء والذرية ، وهذه
الجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم . قرأ الجمهور " تقتلون " بالفوقية على الخطاب ، وكذلك قرأوا
" تأسرون " وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما ، وقرأ اليماني بالفوقية في الأول والتحتية في الثاني ، وقرأ
أبو حيوة " تأسرون " بضم السين . وقد حكى الفراء كسر السين وضمها فهما لغتان ، ووجه تقديم مفعول الفعل
الأول وتأخير مفعول الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة ، وكان الوارد عليهم أشد الأمرين وهو القتل ،
كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام .
وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين ، فقيل كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة ، وقيل ستمائة ،
وقيل سبعمائة ، وقيل ثمانمائة ، وقيل تسعمائة ، وكان المأسورون سبعمائة ، وقيل سبعمائة وخمسين ، وقيل
تسعمائة ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) المراد بالأرض العقار والنخيل ، وبالديار المنازل والحصون ،
وبالأموال والحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير ( وأرضا لم تطئوها ) أي وأورثكم أرضا لم
تطئوها ، وجملة لم تطئوها صفة لأرضا . قرأ الجمهور " لم تطئوها " بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة ، وقرأ زيد بن علي
" تطوها " بفتح الطاء وواو ساكنة .
واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة فقال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل : إنها خيبر ولم
يكونوا إذ ذاك قد نالوها ، فوعدهم الله بها . وقال قتادة : كنا نتحدث أنها مكة . وقال الحسن : فارس والروم .
وقال عكرمة : كل أرض تفتح إلى يوم القيامة ( وكان الله على كل شئ قديرا ) أي هو سبحانه قدير على كل
ما أراده من خير وشر ونعمة ونقمة ، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح للمسلمين .
وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( من صياصيهم ) قال : حصونهم . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد
وابن مردويه عن عائشة قالت " خرجت يوم الخندق أقفو الناس ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش
يقال له ابن الفرقدة بسهم فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا الله سعدا فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة ،
فتح القدير — صفحة 274
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٤