تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
قوله ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ) أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم بنو قريظة ، فإنهم عاونوا الأحزاب ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يدا واحدة مع الأحزاب . والصياصي جمع صيصية : وهي الحصون ، وكل شئ يتحصن به يقال له صيصية ، ومنه صيصية الديك ، وهي الشوكة التي في رجله ، وصياصي البقر قرونها لأنها تمتنع بها ، ويقال لشوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة صيصية ، ومنه قول دريد بن الصمة : فجئت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد ومن إطلاقها على الحصون قول الشاعر : فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا ( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي معنى قوله ( فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ) فالفريق الأول هم الرجال ، والفريق الثاني هم النساء والذرية ، وهذه الجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم . قرأ الجمهور " تقتلون " بالفوقية على الخطاب ، وكذلك قرأوا " تأسرون " وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما ، وقرأ اليماني بالفوقية في الأول والتحتية في الثاني ، وقرأ أبو حيوة " تأسرون " بضم السين . وقد حكى الفراء كسر السين وضمها فهما لغتان ، ووجه تقديم مفعول الفعل الأول وتأخير مفعول الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة ، وكان الوارد عليهم أشد الأمرين وهو القتل ، كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام . وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين ، فقيل كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة ، وقيل ستمائة ، وقيل سبعمائة ، وقيل ثمانمائة ، وقيل تسعمائة ، وكان المأسورون سبعمائة ، وقيل سبعمائة وخمسين ، وقيل تسعمائة ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) المراد بالأرض العقار والنخيل ، وبالديار المنازل والحصون ، وبالأموال والحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير ( وأرضا لم تطئوها ) أي وأورثكم أرضا لم تطئوها ، وجملة لم تطئوها صفة لأرضا . قرأ الجمهور " لم تطئوها " بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة ، وقرأ زيد بن علي " تطوها " بفتح الطاء وواو ساكنة . واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة فقال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل : إنها خيبر ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها ، فوعدهم الله بها . وقال قتادة : كنا نتحدث أنها مكة . وقال الحسن : فارس والروم . وقال عكرمة : كل أرض تفتح إلى يوم القيامة ( وكان الله على كل شئ قديرا ) أي هو سبحانه قدير على كل ما أراده من خير وشر ونعمة ونقمة ، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح للمسلمين . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( من صياصيهم ) قال : حصونهم . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت " خرجت يوم الخندق أقفو الناس ، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن الفرقدة بسهم فأصاب أكحله فقطعه ، فدعا الله سعدا فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة ،