تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة ، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فهي عامة في كل شئ ، ومثلها - ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا - ، وقوله - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - ، واللام في ( لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) متعلق بحسنة ، أو بمحذوف هو صفة لحسنة : أي كائنة لمن يرجو الله . وقيل إن الجملة بدل من الكاف في لكم ، ورده أبو حيان وقال : إنه لا يبدل من ضمير المخاطب بإعادة الجار . ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش وإن منعه البصريون ، والمراد بمن كان يرجو الله : المؤمنون ، فإنهم الذين يرجون الله ويخافون عذابه ، ومعنى يرجون الله : يرجون ثوابه أو لقاءه ، ومعنى يرجون اليوم الآخر : أنهم يرجون رحمة الله فيه أو يصدقون بحصوله وأنه كائن لا محالة ، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى ( وذكر الله كثيرا ) معطوف على كان : أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكرا كثيرا ، وجمع بين الرجاء لله والذكر له ، فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ) الإشارة بقوله " هذا " إلى ما رأوه من الجيوش ، أو إلى الخطب الذي نزل والبلاء الذي دهم ، وهذا القول منهم قالوه استبشارا بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه الجنود ، وإنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله ، و " ما " في " ما وعدنا الله " هي الموصولة ، أو المصدرية ، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم ( صدق الله ورسوله ) أي ظهر صدق خبر الله ورسوله ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) أي ما زادهم ما رأوه إلا إيمانا بالله وتسليما لأمره . قال الفراء : ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانا وتسليما . قال علي بن سليمان : " رأى " يدل على الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي ، والمعنى : ما زادهم الرؤية إلا إيمانا للرب وتسليما للقضاء ، ولو قال ما زادتهم لجاز ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) أي من المؤمنين المخلصين رجال صدقوا أتوا بالصدق ، من صدقني إذا قال الصدق ، ومحل " ما عاهدوا الله عليه " النصب بنزع الخافض ، والمعنى : أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة من الثبات معه ، والمقاتلة لمن قاتله ، بخلاف من كذب في عهده وخان الله ورسوله وهم المنافقون ، وقيل هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثبتوا له ولم يفروا ، ووجه إظهار الاسم الشريف ، والرسول في قوله ( صدق الله ورسوله ) بعد قوله ( ما وعد الله ورسوله ) هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر : * أرى الموت لا يسبق الموت شئ * وأيضا لو أضمرهما لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في لفظ واحد . وقال صدقا ، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث " بئس خطيب القوم أنت " لمن قال ومن يعصها فقد غوى . ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما وعدوا الله ورسوله وقسمهم إلى قسمين فقال ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) النحب : ما التزمه الإنسان وأعتقد الوفاء به . ومنه قول الشاعر : عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر وقال الآخر : بطخفة لا جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب أي على أمر عظيم ، والنحب يطلق على النذر والقتل والموت . قال ابن قتيبة : قضى نحبه : أي قتل وأصل النحب النذر . كانوا يوم بدر نذورا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح لهم فقتلوا ، فقيل فلان قضى