تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الحال من فاعل يأتون . أو من المعوقين . وقال الفراء : يجوز في نصبه أربعة أوجه : منها النصب على الذم ، ومنها بتقدير فعل محذوف : أي يأتونه أشحة . قال النحاس : ولا يجوز أن يكون العامل فيه للمعوقين ولا القائلين لئلا يفرق بين الصلة والموصول ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم ) أي تدور يمينا وشمالا ، وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما يخافه ( كالذي يغشى عليه من الموت ) أي كعين الذي يغشى عليه من الموت ، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه ، فيذهل ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف ، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف ، ويقال للميت إذا شخص بصره : دارت عيناه ، ودارت حماليق عينيه ، والكاف نعت مصدر محذوف ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) يقال سلق فلانا فلانا بلسانه : إذا أغلظ له في القول مجاهرا . قال الفراء : أي آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة ، ويقال : خطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا ، ومنه قول الأعشى : فيهم المجد والسماحة والنج‍ * دة فيهم والخاطب السلاق قال القتيبي : المعنى آذوكم بالكلام الشديد ، والسلق الأذى ، ومنه قول الشاعر : ولقد سلقت هوازنا * بنو أهل حتى انحنينا قال قتادة : معنى الآية : بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون : أعطنا فإنا قد شهدنا معكم ، فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا ، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم . قال النحاس : وهذا قول حسن ، وانتصاب ( أشحة على الخير ) على الحالية من فاعل سلقوكم ، ويجوز أن يكون نصبه على الذم . وقرأ ابن أبي عبلة برفع أشحة ، والمراد هنا أنهم أشح على الغنيمة يشاحون كان المسلمين عند القسمة ، قاله يحيى بن سلام . وقيل على المال أن ينفقوه في سبيل الله . قاله السدي . ويمكن أن يقال معناه : أنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصوفين بتلك الصفات ( لم يؤمنوا ) إيمانا خالصا بل هم منافقون : يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ( فأحبط الله أعمالهم ) أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها ، لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله . قال مقاتل : أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان ( وكان ذلك على الله يسيرا ) أي وكان ذلك الإحباط لأعمالهم ، أو كان نفاقهم على الله هينا ( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) أي يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم ، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع ( وإن يأت الأحزاب ) مرة أخرى بعد هذه المرة ( يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب ) أي يتمنون أنهم في بادية الأعراب لما حل بهم من الرهبة ، والبادي خلاف الحاضر ، يقال : بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية ( يسألون عن أنبائكم ) أي عن أخباركم وما جرى لكم ، كل قادم عليهم من جهتكم ، أو يسأل بعضهم بعضا عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والمعنى : أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف نياتهم ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) أي لو كانوا معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالا قليلا خوفا من العار وحمية على الديار ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) أي قدوة صالحة ، يقال لي في فلاة أسوة : أي لي به ، والأسوة من الائتساء ، كالقدوة من الاقتداء : اسم يوضع موضع المصدر . قال الجوهري : والأسوة والإسوة بالضم والكسر ، والجمع أسى وإسى . قرأ الجمهور " أسوة " بالضم للهمزة ، وقرأ عاصم بكسرها ، وهما لغتان كما قال الفراء وغيره .