تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
قوله ( ضرب لكم مثلا ) قد تقدم تحقيق معنى المثل ، ومن في ( من أنفسكم ) لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محل نصب صفة لمثلا : أي مثلا منتزعا ومأخوذا من أنفسكم فإنها أقرب شئ منكم ، وأبين من غيرها عندكم ، فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحا . ثم بين المثل المذكور فقال ( هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ) " من " في مما ملكت للتبعيض ، وفي " من شركاء " زائدة للتأكيد ، والمعنى هل لكم شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم ، وهم العبيد والإماء ، والاستفهام للإنكار ، وجملة ( فأنتم فيه سواء ) جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي ، ومحققه لمعنى الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم : أي هل ترضون لأنفسكم ، والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية أن يساووكم في التصرف بما رزقناكم من الأموال ، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم ( تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) الكاف نعت مصدر محذوف : أي تخافونهم خيفة كخيفتكم أنفسكم : أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال وجواز التصرف ، والمقصود نفي الأشياء الثلاثة الشركة بينهم وبين المملوكين والاستواء معهم وخوفهم إياهم . وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل في قولهم : ما تأتينا فتحدثنا . والمراد : إقامة الحجة على المشركين فإنهم لا بد أن يقولوا لا نرضى بذلك ، فيقال لهم فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم وهم أمثالكم في البشرية ، وتجعلون عبيد الله شركاء له ؟ فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه ، والخلق كلهم عبيد الله تعالى ، ولم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له . قرأ الجمهور " أنفسكم " بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله ، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله ( كذلك نفصل الآيات ) تفصيلا واضحا وبيانا جليا ( لقوم يعقلون ) لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها . ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضربه لهم من المثل فقال ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ) أي لم يعقلوا الآيات بل اتبعوا أهواءهم الزائغة ، وآراءهم الفاسدة الزائفة ، ومحل " بغير علم " النصب على الحال : أي جاهلين بأنهم على ضلالة ( فمن يهدي من أضل الله ) أي لا أحد يقدر على هدايته ، لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته ( وما لهم من ناصرين ) أي ما لهؤلاء الذين أضلهم الله من ناصرين ينصرونهم ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه . ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه وإقباله عليه ، وانتصاب حنيفا على الحال من فاعل أقم أو من مفعوله : أي مائلا إليه مستقيما عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة ( فطرت الله التي فطر الناس عليها )
فتح القدير — صفحة 223 | الشوكاني