تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
قوله ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ) يوالونهم ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سواء كانوا من الجماد أو الحيوان ، ومن الأحياء أو من الأموات ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) فإن بيتها لا يغني عنها شيئا لا في حر ولا قر ولا مطر ، كذلك ما اتخذوه وليا من دون الله ، فإنه لا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ولا يغني عنهم شيئا . قال الفراء : هو مثل ضربه الله لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره ، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا . قال : ولا يحسن الوقف على العنكبوت لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شئ شبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به ، وقد جوز الوقف على العنكبوت الأخفش ، وغلطه ابن الأنباري قال : لأن اتخذت صلة للعنكبوت كأنه قال : كمثل العنكبوت التي اتخذت بيتا ، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول والعنكبوت تقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، وتجمع على عناكب وعنكبوتات ، وهي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجا رقيقا . وقد يقال لها عكنبات ، ومنه قول الشاعر : كأنما يسقط من لغامها * بيت عكنبات على زمامها ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) لا بيت أضعف منه مما يتخذه الهوام بيتا ولا يدانيه في الوهي والوهن شئ من ذلك ( لو كانوا يعلمون ) أن اتخاذهم الأولياء من دون الله كاتخاذ العنكبوت بيتا ، أو لو كانوا يعلمون شيئا من العلم لعلموا بهذا ( إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شئ ) ما استفهامية ، أو نافية أو موصولة ، ومن للتبعيض أو مزيدة للتوكيد . وقيل إن هذه الجملة على إضمار القول : أي قل للكافرين إن الله يعلم أي شئ يدعون من دونه . وحرم أبو علي الفارسي بأنها استفهامية ، وعلى تقدير النفي كأنه قيل : إن الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شئ : يعني ما تدعونه ليس بشئ ، وعلى تقدير الموصولة : إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه ، ويجوز أن تكون ما مصدرية ، ومن شئ عبارة عن المصدر . قرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب " يدعون " بالتحتية . واختار هذه القراءة أبو عبيد لذكر الأمم قبل هذه الآية . وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب ( وهو العزيز الحكيم ) الغالب المصدر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان ( وتلك الأمثال نضربها للناس ) أي هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن نضربها للناس نبها لهم وتقريبا لما بعد من أفهامهم ( وما يعقلها ) أي يفهمها ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله ( إلا العالمون ) بالله الراسخون في العلم المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم وما يشاهدونه ( خلق الله السماوات والأرض بالحق ) أي بالعدل والقسط مراعيا في خلقها مصالح عباده . وقيل المراد بالحق كلامه وقدرته . ومحل بالحق النصب على الحال ( إن في ذلك لآية للمؤمنين ) أي لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته وتفرده بالإلهية ، وخص المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بذلك ( أتل ما أوحي إليك من الكتاب ) أي القرآن . وفيه الأمر بالتلاوة للقرآن والمحافظة على قراءته مع التدبر لآياته والتفكر في معانيه ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) أي دم على إقامتها واستمر على أدائها كما أمرت بذلك . وجملة " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " تعليل لما قبلها ، والفحشاء ما قبح من العمل ، والمنكر مالا يعرف في الشريعة : أي تمنعه عن معاصي الله وتبعده منها ، ومعنى نهيها عن ذلك أن فعلها يكون سببا للانتهاء ، والمراد هنا الصلوات المفروضة ( ولذكر الله أكبر ) أي أكبر من كل شئ : أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر . قال ابن عطية : وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق : أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر ، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل ما لم يكن منه في الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر لله مراقب له . وقيل ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر مع المداومة عليه . قال الفراء وابن قتيبة : المراد بالذكر في الآية التسبيح والتهليل ، يقول هو
فتح القدير — صفحة 204 | الشوكاني