أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر . وقيل المراد بالذكر هنا الصلاة : أي وللصلاة أكبر من سائر
الطاعات ، وعبر عنها بالذكر كما في قوله - فاسعوا إلى ذكر الله - للدلالة على أن ما فيها من الذكر هو العمدة في
تفضيلها على سائر الطاعات ، وقيل المعنى : ولذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم منه أكبر من ذكركم له في
عبادتكم وصلواتكم ، واختار هذا ابن جرير ، ويؤيده حديث " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن
ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " ( والله يعلم ما تصنعون ) لا تخفى عليه من ذلك خافية فهو مجازيكم بالخير
خيرا وبالشر شرا ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) أي إلا بالخصلة التي هي أحسن ، وذلك على
سبيل الدعاء لهم إلى الله عز وجل والتنبيه لهم على حججه وبراهينه رجاء إجابتهم إلى الإسلام ، لا على طريق الإغلاظ
والمخاشنة ( إلا الذين ظلموا منهم ) بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدبوا مع المسلمين فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين
في مجادلتهم ، هكذا فسر الآية أكثر المفسرين بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى . وقيل معنى الآية :
لا تجادلوا من آمن بمحمد من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسائر من آمن منهم إلا بالتي هي أحسن : يعني
بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أهل الكتاب ، ويكون المراد بالذين ظلموا على هذا القول هم الباقون على كفرهم .
وقيل هذه الآية منسوخة بآيات القتال ، وبذلك قال قتادة ومقاتل . قال النحاس : من قال هي منسوخة احتج بأن
الآية مكية ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك . قال سعيد بن جبير ومجاهد : إن
المراد بالذين ظلموا منهم الذين نصبوا القتال للمسلمين فجدالهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ( وقولوا آمنا
بالذي أنزل إلينا ) من القرآن ( وأنزل إليكم ) من التوراة والإنجيل : أي آمنا بأنهما منزلان من عند الله وأنهما
شريعة ثابته إلى قيام الشريعة الإسلامية والبعثة المحمدية ، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه ( وإلهنا وإلهكم
واحد ) لا شريك له ولا ضد ولا ند ( ونحن له مسلمون ) أي ونحن معاشر أمة محمد مطيعون له خاصة ، لم نقل
عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ، ولا اتخذنا أحبارنا ورهباننا به أربابا من دون الله ، ويحتمل أن يراد ونحن جميعا
منقادون له ، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب وطاعتهم أبلغ من طاعاتهم .
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ) الآية قال : ذاك مثل
ضربه الله لمن عبد غيره أن مثله كمثل بيت العنكبوت . وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " العنكبوت شيطان مسخها الله فمن وجدها فليقتلها " . وأخرج ابن أبي حاتم
عن مزيد بن ميسرة قال : العنكبوت شيطان . وأخرج الخطيب عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم " دخلت أنا وأبو بكر الغار فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب فلا تقتلوهن " وروى القرطبي في تفسيره
عن علي أيضا أنه قال : طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيت يورث الفقر . وأخرج ابن أبي حاتم
عن عطاء الخراساني قال : نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود ، والثانية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) قال :
في الصلاة منتهى ومزدجر عن المعاصي . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين قال " سئل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) فقال : من لم تنهه صلاته عن
الفحشاء والمنكر فلا صلاة له " . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا " . وأخرج عبد بن حميد
وابن جرير والبيهقي في الشعب عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من لم تنهه صلاته عن
فتح القدير — صفحة 205
مساهمون: الشوكاني
ص٢٠٥